مقتطف من كتاب « آليات صناعة التخلف »: الاضطراب الشديد لأحوال التعليم العالي
مقتطف من كتاب « آليات صناعة التخلف، وقفة صريحة مع الذات »
الاضطراب الشديد لأحوال التعليم العالي
وهنا أقول لو لم يكن من ترابط بين التعليم العالي وما قبله إلا كون الطلبة بالجامعة هم من كانوا تلاميذ فيما قبل لكفى به ترابط وتداخل. ثم كما قلت في كتاب « صرخة مغربي »، فإذا كان التعليم العالي متهما بتخريج مجازين بميزة مستحسن وحسن لازالوا في حاجة لدروس في محو الأمية، فلأن التهمة ثابتة عليه. فحتى لو أن المشكل اللغوي لا علاقة له بمناهج وبرامج التعليم العالي، فقد كان لابد لهذه الحقيقة أن تنجلي عند حدود موطنها. الطلبة بالجامعة كانوا فيما قبل تلامذة مفتقدين للغة (السواد الأعظم منهم)، آلة اكتساب المعارف السليمة، لكنهم اجتازوا حاجز الباكلوريا بمعدلات جد عالية، وهو ما من شأنه أن يعطي الانطباع بأن التعليم ما قبل الجامعي بخير. فلو لم يكن من اختلالات في التعليم العالي إلا احتضانه للموروث السلبي لأطوار التعليم السابقة، والعمل على التخفيض المستمر من ارتفاع الحواجز (القيمة الأكاديمية للشهادات) لتتلاءم مع مؤهلات هذا الذي تبين أنه لا يقدر على اجتيازها، لكفى به خللا كبيرا. فلقد تخطى هذا الموروث السلبي حاجز الباكلوريا وانتقل إلى التعليم العالي بأحقية معدلات أقل ما يقال عنها أنها خضعت لعملية تنشيط ممنهج ( dopage systématique).
إلا أن المؤسف هو أن يعمل أستاذ التعليم العالي، في سياق اجتراره لهذا الموروث السلبي، على الاستمرار في إمداده بالمنشطات حتى لا تنخر قواه، ليتمكن من متابعة السير المغشوش بنفس الهيأة المنتفخة والخطى التي أقبل بها. لقد تعامل الكثير من أستاذة التعليم العالي مع واقع شاذ بواقعية عاطفية لا يمكن تبريرها، فعملوا على ترسيخه، فكانت النتيجة ما هو شائع من تخريج التعليم العالي لحملة شواهد لا يحسنون الكتابة. نعم يتحمل أستاذ التعليم العالي مسؤولية احتضان مساوئ أطوار التعليم السابقة والتعامل معها كواقع يفرض نفسه. فبدل العمل على المحافظة على القيمة العلمية للشواهد الجامعية في مستواها الأكاديمي المعهود، فقد عمل على إخضاعها للواقع المتردي وربطها بسياقه وجعلها تابعة له لا فاضحة له. إنه النهج الواقعي العاطفي السيئ لكثير من رجال التعليم العالي أدى في نهاية المطاف إلى تحميلهم تبعات كل إخفاقات أطوار منظومتنا التعليمية، كيف لا وهم قد عملوا على إتمام دورة الرداءة والانحطاط فأصبحت قادرة على إعادة إنتاج نفسها، بل قادرة على خلق دورات رديئة، كل واحدة أكثر رداءة من التي تسببت فيها.
هل هذا الصنيع من باب الغش؟ أم من باب التهاون؟ أم من باب التواطؤ؟ أم من باب التصرف العاطفي لرجل التعليم العالي، ومما يَنِمُّ عن غياب الفهم السليم لدوره الخطير في المجتمع والاستخفاف بمهامه، والمسؤولية الملقاة على عاتقه كقاطرة عليها واجب جر القطار نحو الوجهة السليمة وبالسرعة المطلوبة؟ أين يكمن الخلل إذن؟ قد يكمن الخلل قطعا في كل هذه الاحتمالات، وبدرجات متفاوتة، من عنصر لآخر، أو في احتمال واحد. في المقابل، فلا بد من التأكيد على أن هناك من الأساتذة الباحثين، ومن المدرسين في باقي الأطوار التعليمية، من يقومون بواجبهم، بل يجتهدون في القيام به على أحسن وجه، فلا مكان للتعميم إذن، وإلا سيكون حالنا ميئوسا منه تماما.
فصديقك من صادقك وليس من صدقك، وقول الحقيقة فضيلة، وعدم التخفي وراء الأعذار الحقيقية والمتوهمة علو همة وشهامة، ومواجهة التحديات بقوة عزيمة شجاعة وجرأة وتحمل للمسؤولية. هذه هي بعض الشمائل المطلوبة في الأستاذ الباحث، الذي يفترض فيه أن يُعلِّم الموجود من العلوم وما جَدًّ منها، ويبحث عن الجديد لإعلاء صرح ما يُشيَّد. قد لا يقاسمني الكثير من الأساتذة الباحثين رؤيتي هذه ونظرتي للأمور، وقد يضيقون بها درعا وصدرا، لكن ليس هذا هو همي، فقصدي هو العمل على إخراج البطاقة الصفراء بغض النظر عن كوني لست حكما. فحينما أخرج البطاقة الصفراء فلأرفعها في وجهي قبل غيري، اقتداء بـــ« طريقة كووي » (méthode de Coué) التي يعمل الفرد من خلالها على إقناع نفسه أولا بعكس ما فيها أو قد يخالجها، لكن في حالنا أعمل على إقناع نفسي بما فيها.
قد لا يتمكن الإنسان من التموقع ما لم يكن هناك ما يُمكِّن من التموضع المقارَن بالنسبة لما حوله، ولما قبله وما بعده في غياب بعض المعالم الثابتة. استُعمِرنا ثم نلنا الاستقلال، وفي بداية الأمر اعتمدنا في تعليم أبنائنا على أطر من استعمرونا. يفضي التفكير بالمنطق اعتمادا على العقل إلى بداهة أن يعمل هؤلاء (أبناء المستعمر) على إرساء أسس ثقافة الغش والتدمير الذاتي لأطفال من حاربوهم حتى طرودهم من المغرب. نعم، يقتضي هذا الأمر أن يعملوا على تفشي ثقافة الكسل والغش والتحايل والمحسوبية والرشوة، وما إلى ذلك من قنوات وفنون الفتك بمقومات مناعة المجتمع وسلامته بين أطفالنا. هل حصل هذا منهم فعلا؟ هل أسس المدرسون الفرنسيون في مؤسساتنا التربوية والتعليمية لثقافة الاستهتار بعامل الوقت، وزرعوا بذور ظاهرة الغش والكسل وعملوا على تعميمها عبر مفهوم تكافؤ الفرص؟ هل أسسوا لظاهرة دروس الدعم المنزلية لاستنزاف جيوب من حاربوهم وطردوهم من المغرب؟ هل عملوا على اختلاق مبادرة التواصل والتحاور مع أطفال من طردوهم للَّعب خارج ميدان التربية والتعليم، إضاعة للوقت والجهد فيما لا يجدي ولا طائلة منه؟ هل عملوا على تضخيم معدلات النقط لينجح من لا يستحق، وابتزاز من لا ينخرط في دروس الدعم المادي للأستاذ وتحطيم معنوياته حتى وإن كان مجتهدا؟ وهل، وهل…؟ ثم هل عمل الأساتذة الجامعيون الفرنسيون على الخفض من المستوى الأكاديمي للدبلومات للرفع من النسبة المئوية للنجاح؟ هل عملوا على تضخيم نقط الطلبة ليثبتوا أنهم علماء نُبغاء متمكنون من مواد اختصاصهم ومتفوقون في التدريس؟ هل سبق أن تفشت بين المدرسين الفرنسيين هستيريا ربط معدلات النقط المرتفعة للطلبة بجودة الطريقة البيداغوجية المتبعة من طرف الأستاذ؟ ثم هل ثبت أن عمل الأستاذ الباحث الفرنسي على الربط بين المعدلات المنخفضة للطلبة والطريقة البيداغوجية المتبعة في التدريس، أو فكر في الأمر؟ ثم هل ثبت أن تغيب الأستاذ الباحث الفرنسي أو تأخر عن الحضور في الوقت المحدد لحصة التدريس الخاصة به؟ هل ثبت أن تغاضى الأستاذ الباحث الفرنسي عن ظاهرة الغش في الامتحانات (« النقيل »)، أو تسامح حتى مع أدنى محاولة للقيام ذلك؟ هل ثبت أن عمل بعض الأساتذة الباحثين الفرنسيين ببعض الكليات على طبع دروسهم وتجميعها على هيئة كتب وإرغام الطلبة على اقتنائها بكل السبل التي لا تليق حتى بالمشعوذين، فكيف بأستاذ التعليم العالي وأدبيات مهمته؟ هل ثبت يوما أن تغيب أحد المؤطرين الفرنسيين للخرجات الجيولوجية الميدانية عن الحضور للقيام بمهمته؟ هل ثبت أن عود الأستاذ الباحث الفرنسي المؤطر للأبحاث العلمية طلبة السلك الثالث (النظام التعليمي السابق) على انتظار، هل سيحضر أم لا؟ هل، وهل،…؟
فإذا كان الأساتذة الباحثون ورجال التعليم الفرنسيين المستعمرين، الذين كانوا يكوِّنون من سيأخذون مكانهم في أجل معلوم، لم يثبت عليهم أي شيء من هذه الأمور المخلة بمهمة رجل التعليم ومسؤولياته، فهل يعقل أن يثبت هذا في حقنا، نحن أبناء الوطن؟ أي قلب خطير للمفاهيم هذا، وما هي مسوغاته؟ ألم يكن من البديهيات قلب المعادلة رأسا على عقب لكي تكون معقولة، منطقية؟ هل يعقل أن يؤدي أبناء المستعمر مهامهم وما عليهم بكل مسؤولية وانضباط، في تعليم وتكوين أبناء من طردوهم، بينما نعمل نحن، أبناء الوطن وآباء الأطفال بما كان يفترض أن يعملوا بهم هم للانتقام منا؟ الطلبة في الجامعات، في جل أنحاء المغرب، يمثلون منبرا إعلاميا يتساوى في قوة التأثير مع عالم الإعلام، فللنظر إلى المشاهد التي يروونها، ولنستمع لما يقولونه ليتبين لنا أن تعليمنا العالي ليس أحسن حالا من تعليمنا ما قبل الجامعي. فإذا كان الفرنسيون قد عملوا على تكوين من سيخلفونهم في البلد الذي سيغادرونه بكل مسؤولية، فهل يعقل ألا نعمل نحن على التكوين السليم الجيد لأبنائنا، لمن سيخلفوننا في تثبيت صرح الوطن والدفاع عنه؟ أين ذهبت عقولنا، وماذا أصابنا؟ هل شربنا من البئر التي شرب منها سكان الجزيرة كما هو معروف في القصة التي سبق أن أوردت؟
