الأندراغوجيا في التعليم العالي والبيداغوجيا فيما قبل
التعليم الجامعي والبيداغوجيا: الانهيار المدوي للجامعة
قطار أيديولوجية البيداغوجيزم (الأمريكية) يدخل المحطة الجامعية ليجعل منها محطة تعليمية شبه ثانوية… الجامعة تفرغ من محتواها العلمي والمعرفي في مقابل التمكين للدردشات البيداغوجية التي يصبح تعلمها هدفا في حد ذاته، كما هو عليه الحال في التعليم ما قبل الجامعي
——————————————————————–
يقول عرّاب البيداغوجيا الفرنسي (في الفيديو) أنه قال لمدير الماستر « لا يعقل أنه لازال هناك أساتذة يقرؤون النص على الطلبة… »، لأنه لم يتم تكوينهم بيداغوجيا أبدا… ويقول أنه لا يفهم الاعتقاد الذي مفاده أنني جيد في تخصصي فأنا أستاذ ممتاز… هذا ليس حقيقي، يمكن أكون جيد في تخصصي، سيء بيداغوجيا… « » »يمكن أن أكون متوسط في تخصصي لكن بيداغوجيا ممتاز… » » » (شاهدوا الفيديو)
تعليقي على الموضوع:
أولا يتعلق الأمر بمستوى جد متقدم من التكوين الجامعي؛ إنه الماستر وليس التعليم الجامعي، مستوى الليسانس. بداية، فإن هذا المستوى من التعليم يخضع، كما هو الحال مع مستوى الليسانس، لمقاربة الأندراغوجيا (تعليم الكبار) وليس البيداغوجيا (تعليم الصغار)، وهناك فرق شاسع بين المقاربتين. ثم، فلقد ركز كل كلامه على الأستاذ، بحيث يتساءل هل هو مكون ومتمكن بيداغوجيا أم لا، بينما جعل من التمكن الأكاديمي من المادة (التخصص) الذي يدرس، شيئا ثانويا. فهذا الذي يقوله ويدعو إليه، يذكرنا بما حل بأطوار التعليم ما قبل الجامعي من تردي مثير للتعليم من جراء تركيز عرّابي البيداغوجيا على كيفية التدريس (مهن التدريس) وليس على ما يدرس. فالكثير من رجال التعليم أفقدهم التضخم المعرفي المهول الكمي والنوعي المؤهلات العلمية والمعرفية، بحيث أصبح الأستاذ مطالبا بتدريس ما لم يدرس، وما لم يستوعب. ولو تفطن صاحبنا، عرّاب البيداغوجيا، لهذا الأمر بالذات لعلم أن هذا هو السبب الذي جعل طلبة الماستر يتطلبون التدريس بالمقاربات البيداغوجية، بل دروسا لمحو الأمية اللغوية ومنهجية التفكير. فلو أنهم تعلموا اللغة كما يجب في وقتها (الابتدائي) تعلموا أن ينصتوا وكذا ومنهجية التفكير (الحساب وحل المسائل) والمنطق، بحيث يترقوا بالتدريج في التعلم خلال طوري التعليم الإعدادي والثانوي (كما كان عليه الحال أيام زمان، خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي)، لما وجدوا أدنى صعوبة في متابعة التعليم والتكوين الجامعي، خاصة مستوى الماستر.
بهذا الخصوص، لا بد من مثال حي لأبرهن به على ما أقول، والمثال يتعلق بي شخصيا. فكما سبق أن كتبت، من قبل، فلم يسبق لي أن « قرأت » الجيولوجيا خلال طوري التعليم الإعدادي والثانوي، وبالرغم من ذلك لم أجد أي عناء في مفاهيمها خلال السنة الأولى الجامعية. وللتوضيح، فقد كان درس الجيولوجيا الذي يلقيه الأستاذ المغربي لمسوكر (Lamsouguer) عبارة عن محاضرة (cours magistral) بمدرج بلماحي (كلية العلوم، الرباط، الوحيدة آنذاك) الذي يسع لمئات الطلبة، وذلك ابتداء من الساعة السادسة والنصف مساء (بعد أن يخلص كل الطلبة من حصص الأعمال التطبيقية). فلم أجد أي عناء في استيعاب وفهم ما كان يدرسه لنا (الجيولوجيا العامة)، ثم يأتي دور الأعمال التوجيهية والأعمال التطبيقية لمزيد من الشرح والتدقيق والاستيعاب والفهم… وبعد 4 سنوات (الطورين الجامعيين الأول والثاني) سلكت تخصص الجيولوجيا وحصلت على شهادة « ديبلوم الدراسات المعمقة » (DEA) التي تم استبدالها بــ »الماستر حاليا » (طور تعليمي من سنتين لا يمكن مقارنته بأي حال من الأحوال مع « ديبلوم الدراسات المعمقة » (سنة واحدة من الإعداد لاقتحام عالم البحث العلمي). ثم بعد ذلك تابعت أبحاثي إلى أن حصلت على دكتوراه السلك الثالث ثم دكتوراه الدولة في أعقد تخصص جيولوجي (الجيولوجيا البنيوية Géologie Structurale). والسؤال الذي يطرح نفسه، هل 12 (إثنا عشر) سنة (مدة أطوار التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي) ضاعت مني وذهبت سدى، بحيث تخصصت في الجيولوجيا التي لم يسبق لي أن درستها قبل التعليم الجامعي؟ طبعا لا ولا، فقد تعلمنا اللغة كما يجب خلال طور التعليم الابتدائي وتعلمنا الإنصات (وهذه الخاصية القيمة مفتقدة تماما عند الطلب الحاليين ….) وتعلمنا منهجية التفكير ثم تدرجنا في استكمال التعلم اللغوي وتعلم منهجية التفكير العلمي والتفكير الأدبي والمنطق السليم… كل هذا كان كافيا للتأهيل لمتابعة التعليم الجامعي بكل أريحية حتى في المواد التي لم يسبق لنا تعلمها من قبل. إذن، كان على عرّاب البيداغوجيا (عراب أيديولوجية البيداغوجيزم)، أن يركز، قبل كل شيء، على الطلبة، على مستوياتهم اللغوية والمعرفية والعلمية وكيف أنهم لا يتفاعلون مع ما يدرس لهم، حتى وهم في الماستر.
أتذكر بالمناسبة أن الدروس (التخصصات) التي لم نكن نستوعبها في البيولوجيا هي التي كنا نركز عليها لفهمها واستيعابها، مما جعلني أتذكر خطوطها العريضة، وحتى بعض التفاصيل، بعد ما يناهز 42 سنة من ابتعادي عنها. أتذكر الأستاذ الفرنسي « فييا » (Veillat) الذي كان يدرسنا كيف تبصر العين الألوان، والذي كان يجيب، حينما يقول له أحدنا أنه لم يفهم، بأن الأمر طبيعي، فلو فهمتم كل ما أقول فأنتم لن تفهموا. كانت مادة معقدة جعلتني أتعهدها بالبحث والتقصي لفهما، مما جعلني أتذكرها لحد الآن وحصلت على نقطة جيدة فيها كمادة خلال الامتحان الشفوي. إذن أقول لعرّاب البيداغوجيا، أن التعليم الجامعي (خاصة الماستر) يخضع لمقاربة الأندراغوجيا، ثم، لا بد من أن يكون الطلبة على مستوى عال لغويا ومعرفيا ومنهجيا لاستيعاب ما يدرس لهم، وإلا لن ينفع معهم أي شيء، وهو ما نعاني منه معاناة شديدة اليوم في الجامعة. فخلال التعليم الجامعي، فلا البيداغوجيا ولا الأندراغوجيا، ولا أي شيء يمكنه إصلاح وتدارك ما أفسده طغيان المقاربات البيداغوجية على حساب الكفاءة المعرفية والعلمية واللغوية للمدرسين بالتعليم ما قبل الجامعي. الطالب الذي ولج التعليم الجامعي عن جدارة واستحقاق (وليس من خلال ظاهرة النقيل والإنجاح المكثف) لن يشكل له عدم تمكن الأستاذ المدرس من الشرح عائقا ولا حاجزا يحيل بينه وبين الفهم السليم لما يدرس له، ولن يؤثر في متابعة تكوينه كما يجب. فعلى عرّاب أيديولوجية البيداغوجيزم المدمرة وما تولد عنها من مقاربات (مفارقات) بيداغوجية عبثية أن يعيد تصويب مقاربته، على أسس علمية، قصد إعادة الروح إلى التعليم الجامعي والبحث العلمي… الأساتذة الجامعيون (الذين بلغ جلهم سن التقاعد) لم يكتسبوا كفاءاتهم العلمية والمعرفية والمهنية من تعلم خلال المفارقات البيداغوجية؛ فمنذ أن تم التركيز، خلال التعليم ما قبل الجامعي، على المقاربات البيداغوجية العبثية (الكفايات، الإدماج، الفارقية، فالفالقية…) على حساب الكفاءة اللغوية والمعرفية والعلمية للمدرسين، انهار التعليم انهيارا مدويا، لتأتي وتطالب بتبني المقاربات البيداغوجية لإعداد طلبة الماستر لاقتحام عالم البحث العلمي. استحي يا هذا، فيا لها من مفارقة عجيبة، تعلم العلوم والمعارف ومناهج البحث العلمي بطريقة تعلم الصغار الكتابة والحساب، فأي بحث علمي هذا؟ ولقد بدأ هذا العبث يعطي نتائجه، بحيث أن الكثيرين من الحاصلين على الدكتوراه يعتبرون أميين لغويين. قلب خطير للمفاهيم، بل للحقائق، فكما يقول المثل الشعبي « كيبيع القرد ويضحك على اللي شراه » و »كيقتل الميت ويمشي فجنازتو » و »كيشعل النار ويصرخ أجيوا تطفوا العافية ».
فكما سبق أن أوضحت، بكل جلاء من قبل (كتاب التربية والتعليم وثقافة مجتمع، اختلالات ومعاطب » وكذا « التعليم بين الكفايات والإدماج » وكذا « الهدر الجامعي » … أن رجل التعليم (من الابتدائي إلى الجامعي) عليه أن يكون متمكنا (ذو كفاءة عالية) لغويا (آلة التدريس و التواصل والفهم و…)، ثم معرفيا وعلميا (ماذا سيدرس، ماذا سيعلم من يعلمهم)، أما كيف سيدرس فتأتي في الدرجة الثالثة كنوع من الماركتين. فلا يعقل أن يتعلم فنون البيع من لا بضاعة للتسويق له. ثم، فحينما تكون السلعة ذات جودة عالية، فهي تبيع « نفسها بنفسها »… نعم، لطرق التدريس المجربة العلمية، من دون إفراط أو طغيان (كما أصبح عليه الحال في عصرنا هذا)، فقطعا ستمثل قيمة مضافة للأساتذة أصحاب الكفاءات المعرفية والعلمية المطلوبة. لكن في غياب هذه الكفاءات، تصبح المقاربات البيداغوجية وسيلة لتشويه العلوم والمعارف وتكوين أطر مشوهة لا تصلح لشيء.
التعليم الجامعي والعالي مقبل على سنين عجاف، حيث ستنقرض الكثير من العلوم، وتضمحل الكفاءات، وسيصبح من الصعب استدراك ما يتم التفريط فيه بسبق الإصرار والترصد (كما يقول القانونيون)، وستمثل « المقاربات البيداغوجية الجامعية » شهادة مدوية على انهيار التعليم الجامعي والعالي.
لخلوفي في 24.5.2022
