الملف الطبي للمريض من أولى الأولويات – حقوق المريض
المصحات والمستشفيات: الملف الطبي للمريض ضرورة الضروريات الملحة (تابـــــــع: مقتطفات من كتاب « آليات صناعة التخلف – وقفة صريحة مع الذات »)
————————————————————————-
نتيجة لانعدام الثقة بين المريض والطبيب، فقد تفشت ظاهرة إعادة التشخيص الطبي للمرض، مرتين أو أكثر، حتى يتم التأكد من أن التشخيص سليم وليس من شطحات وافتراء الطبيب الذي قام بالفحص. يكفي هذا المشهد للتعبير عما آلت إليه أوضاع منظومتنا الصحية من تسيب وتدهور خطير. في المقابل، حينما كنت صغيرا، خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ما أن يصل المريض عند الطبيب حتى يصبح يحس بالأمن والأمان الذي يمثل أكثر من نصف العلاج.
ما يحدث في المصحات وكذا في المستشفيات من تجاوزات وتلاعبات وابتزاز واستهتار بصحة المواطنين أصبح حديث القاصي والداني. فقد أصبح الذهاب إلى المستشفى أو المصحة، متى اقتضت الضرورة ذلك، يمثل كابوسا مرعبا للمريض ولأسرته، على السواء. خطوط لوحة الواقع اليومي المر تنسجها الوقائع المؤلمة التي يتحدث عنها القاصي والداني، والتي تملأ صفحات وسائل التواصل الاجتماعي…
ألم يأني الوقت لكي تتحمل الدولة مسؤوليتها فتجعل من الملف الطبي للمريض، في زمن موت الضمير عند الأطباء (مؤكدا على عدم التعميم) أولوية وضرورة لا يمكن الحياد عنه قصد الحد، أو القضاء، على تجاوزات وتلاعبات وابتزاز بعض الأطباء (في غياب الردع، تزايدت نسبتهم مع مرور الوقت) الذين أصبحوا لا يرون في المريض إلا جيبه ولا يفكرون إلا كيف يمكنهم سلبه أكبر قدر من المال قصد تضخيم حساباتهم البنكية على حساب الأمن الصحي للبلاد.
وحتى يعلم القارئ أنني لا أعمل على تسويد المشاهد التي أنقلها بالإكثار من الأسود القاتم وأنا أصبغ اللوحات التي أقدمها بين يديه، فسأحيله على مشاهد من ملفات الأسبوع لجريدة الصباح المغربية، عدد 2652، خصصته لموضوع الصحة تحت عنوان:
« مصحات خاصة خارجة عن القانون، استنزاف جيوب الزبناء وحساباتهم البنكية واستهتار بأرواح المرضى وسرقة مستحقات الدولة »
تابـــــــــــــــــــــــع
….. ووجد بعض هؤلاء الأطباء وسيلة أكثر نجاعة لتهريب مرضى المستشفيات العمومية إلى الخاصة، إذ بعد أن يزجوا بعائلات المرضى في دائرة اليأس والإحباط، يتركون بصيصا صغيرا من الأمل، ويدعون الشفقة والرأفة، فيؤكدون لضحاياهم أن بإمكانهم مساعدتهم على تكلفة العلاج المرتفعة في المصحات الخاصة، وذلك بإعفائهم من تكاليف ومصاريف العلاجات الموالية للعملية الجراحية، فيؤكدون أنه بعد إجراء العملية سيساعدون عائلة المريض على نقله من جديد إلى المستشفى العمومي من أجل متابعة العلاج بالمجان، وهي صفقة وهمية تجدها حتى عائلات المرضى مربحة جدا.
وإن كان بعض الأطباء المتورطين في مثل هذه الصفقات المشبوهة يتولون بأنفسهم مهمة إقناع ضحاياهم، فإن آخرين صنعوا لأنفسهم سوقا وسماسرة ومساعدين، لكل واحد منهم نصيبه.
الأمر لا يتوقف عند مجرد تهريب المرضى إلى المصحات الخاصة، بل قد يتعداه إلى إجراء عمليات غير ضرورية للمريض. وحتى في الحالات الأقل ضررا يضطر هؤلاء الأطباء إلى منح المصحة كل أوقاتهم ويقتصر وجودهم في المستشفيات العمومية على التعليمات. إذ يوجهون إلى الأطباء المساعدين، خاصة المقيمين الذين يكون مصيرهم المهني بين يدي هؤلاء الأطباء، تعليمات عبر الهاتف، وقد يضطر بعض هؤلاء المساعدين إلى التدخل من تلقاء أنفسهم تجنبا لإزعاج البروفسور وبالتالي تحاشي غضبه وسخطه، إذ قد ينعكس ذلك على النقطة التي سيمنحها لهم ».
تجنب إزعاج الدكتور البروفسور تحاشيا لغضبه وسخطه لكيلا ينعكس ذلك على النقطة، بل ومن حسن تدبير المتدرب لضمان نقطة سخية من سيادته حتى وإن لم يقم بتتبعه وتأطيره كما يجب. هل من ضرورة للتعليق؟ لن أطيل بهذا الصدد لأختم هذا الجانب من المشهد بما سمعته من سيدة تعمل بأحد المستشفيات العمومية بفاس، تناهز الخمسين من العمر. تقول أنها كانت تعمل لمدة طويلة بمصلحة بالمستشفى لا علاقة لها بقسم العمليات الجراحية، ولا أتذكر أهي التي اختارت أم أنها طلب منها أن تعمل بهذا القسم لمدة محدودة كمعوضه (remplaçante) . المهم أنها وجدت نفسها في وقت ما، أمام مشهد عجيب غريب بعد انتهاء الطبيب الجراح من استئصال مرارة أحد المرضى المفترضين، بحيث طلب منها أن تأتي بحجارة (« جيبي حجرة »). لم تفهم ماذا يقصد الدكتور وماذا يريد، فما كان منه إلا أن قال لها اذهبي إلى المكتب الفلاني وأتي بحجارة من موضع كذا. تقول السيدة أنها ذهلت لمَّا رأت موضعا مجمعة فيه حجارة كتلك التي تتكون في المرارة، فأتته بواحدة منها، عمل هو على إلحاقها بالمرارة السليمة التي استأصلها ببرودة دم وراحة ضمير.
لن أتيه في أدغال المشاهد اليومية لغابة الصحة الموحشة، ويا لها من مشاهد مروعة تفوق مشاهد افتراس السباع لضحاياها رعبا وهمجية. هل هذه المشاهد من نسج خيال المهووسين بقصص الرعب؟ هل يتعلق الأمر بمشاهد من الجريمة المنظمة؟ ما هذا الذي يحدث؟ ما الفرق بين مثل هؤلاء الدكاترة الأطباء وعصابات بيع المخدرات وقطاع الطرق والسطو على ممتلكات الناس؟ عفوا، لا مقارنة مع وجود الفارق، الفرق شاسع بين من خولت له مهنته (الشريفة في الأصل) التحكم في أرواح وأجساد ورقاب وجيوب الخلائق، ومتسكعين دفعتهم تصرفات مثل هؤلاء إلى اعتراض سبيل الناس والاعتداء عليهم طلبا لما يؤمنون به عيشهم واستمرارهم في الحياة. كما لا مقارنة مع وجود الفارق المهول بين فعل السباع الفطري وفعل هؤلاء الهمجي؛ لقد قرأها جيدا رجل الشعب العادي، صاحبنا الشرطي لسنوات السبعينات، ورأى تبعاتها بكل جلاء عندما خلص إلى أن الطالب الذي يتبول على « السواري » في شارع محمد الخامس بالرباط على مرأى من الجميع، إنما يتبول على المجتمع كله، وعليه فلا خير يرجى منه لا لنفسه ولا لغيره. إن طال بصاحبنا العمر إلى يومنا هذا فسَيُصعَق من هول ما سيرى ويسمع، حتى وإن سبق له أن تنبأ بما سيصدر عن هؤلاء الذين رأى فيهم المجتمع، في يوم من الأيام، صمام الأمان لمستقبله، كما اختزل فيهم كل تطلعاته وآماله. فلا أظنه خطر بباله ما آل إليه الانهيار الخلقي وافتقاد الضمير، فحتى من اشتهر من الأطباء النازيين باقتراف جرائم اتخاذ البشر كفئران للتجارب في أبحاثهم، فإنهم فعلوا ذلك في وقت الحرب، ومع غير الألمان، مع أعدائهم، في انسجام مع الفلسفات والنظريات الهدامة التي ابتدعها العقل الغربي الذي تؤطر تفكيره نظرية البقاء للأصلح الفاسدة لداروين. أما ما نحن بصدده هنا، فالأمر مغاير تماما، نتكلم عن أطباء أبناء الشعب المغربي، أصبحوا أطباء بتمويل من هذا الشعب، كما أن لنا جذورا حضارية ضاربة في أعماق التاريخ لا تمس لنظرية داروين بأية صلة، حضارة تضمن لإنسانية الإنسان حرمتها حيا وميتا، حضارة إسلامية ذات صبغة كونية
سأتهم بأني لا أرى إلا النصف الفارغ من الكأس، وأغض الطرف عن المملوء منه، وستُخرَج في وجهي بطاقة المثل الشعبي القائل « حوته كتخنز الشواري »، فعلي أن أنظر إلى الأساتذة الأطباء والأطباء الأمناء الذين يؤدون مهامهم بكل صدق وتجرد. سمعا وطاعة، بل أقول إني أعرف منهم الشرفاء الذين يضيقون درعا بما يصدر عمن يعدون زملائهم في المهنة، ويحسون بالغبن والمهانة من تصرفاتهم المسيئة إلى حد كبير جدا للمهنة وليس لهم وحدهم. فهم يألمون ويتالمون لأن مهنتهم الشريفة أهانتها و »خنزتها حوتات خانزة » كثيرة، وليس حوته واحدة فقط، كما يقول المثل الشعبي الذي لم يعد معبرا بصدق عما آل إليه حال « الشواري » في وقتنا، بعدما تركت فيه حوته « خانزة »، لم يتم عزلها والإلقاء بها في القمامة، تفعل فعلها عبر العدوى التي انتقلت إلى باقي حوت « الشواري »، حتى كادت البلوى تعم كل ما به.
وحتى نحيط بحيثيات ما أصاب الحوت بــ »الشواري » من ألوان التفسخ والتحلل، غير تلك التي رأينا، إليكم ببعض الصور الأخرى، إمعانا في إظهار البشاعة الأخلاقية التي تجرد مثل هؤلاء الأطباء حتى من إنسانيتهم، بل حتى من امتلاك صفة الحيوانية، لأنه لم يثبت عند أية فصيلة من الحيوانات أكل بعضها البعض في الظروف الطبيعية العادية. كم من بريء لفقت له الاتهامات وتم سجنه بسبب الشهادة الطبية المسلمة له من طرف الدكتور الطبيب مقابل دريهمات، وشهادة شهود زور متواطئين أو محترفين مقابل دريهمات هم كذلك؟ مَنِ الدنيء الحقير والأكثر إجراما، هل المجرم الذي يقترف جرمه تحت ضغط الحاجة في الأماكن التي ينعدم فيها الأمن أم من يقترفه في أماكن يفترض فيها الأمن والأمان والراحة حتى النفسية كالمصحة والعيادة الطبية والمستشفى، مستغلا مهنته ومنصبه؟ فحتى الميت في قبره، المرحوم كما يحلو لنا تسميته، يمكن لأي أحد أن يحضر له شهادة من طبيب تثبت أنه تغيب عن عمله بسبب كذا مرض يلزمه الخلود إلى الراحة لمدة كذا يوم، أو تثبت أنه أصيب بعجز صحي يقتضي مدة كذا أيام أو أسابيع للتشافي من الإصابة التي تسبب فيها اعتداء فلان بن فلان. إنه مشهد كاريكاتوري سريالي خيالي، قد لا يكون غريبا عما يروج داخل مجتمعنا بالدرجة التي نتصور. ومن القصص الواقعية من بين القصص والحكايات العجيبة الغريبة المتداولة والمعروفة ما حصل لأحد الأساتذة بالتعليم الثانوي التأهيلي معروف بإخلاصه وتفانيه في عمله وضبطه للأمور في القسم. قبل تاريخ امتحانات الباكلوريا لموسم 2005 – 2006، جاءه التلاميذ بشهادة طبية باسمه، وطلبوا منه أن يخلد للراحة التي ارتآها له الطبيب الملهم، خلال الأيام المعلومة للامتحانات حتى لا يخل بطريقته المتقادمة في الحراسة بقاعدة الغش العامة الساري بها العمل في كل أطوار تعليمنا، والتي ازدادت تطورا في بداية الألفية الثالثة. لقد أصبح الأمر جد عادي، أن نرى أو نسمع بالطبيب يشهد بمرض فلان، أو يثبت إصابته بعجز صحي لمدة معينة نتيجة اعتداء افتراضي، حتى وإن لم يره ولم يكن يعرفه. (يتبــــــــــــــــــــع)


