كيفية مواجهة التشوه المعرفي
كتبت قبل 13 سنة (2009) في « المغربية »…
ولازال المقال صالحا، فلم يتغير أي شي في الاتجاه الصحيح…
——————————————-
كيفية مواجهة التشوه المعرفي
ازدواجية التضخم والانكماش، من بين أوجه الاختلالات العميقة والتناقضات الصارخة التي تعاني منها منظومتنا التعليمية. على صعيد التعليم ما قبل الجامعي، يتجلى التضخم الهائل في دسامة المقررات والمستوى الأكاديمي العالي للمفاهيم المدرسة، بينما يتجلى الانكماش في المؤهلات المعرفية لرجال التعليم. فلقد انكمشت المؤهلات المعرفية والعلمية وكفاءات المدرس بالقدر الذي تم به التضخيم المعرفي. ومن المعلوم أن التضخم المالي يفضي قطعا إلى الانكماش، ثم الركود الاقتصادي، وهو ما يترجم عمليا بالأزمات والاضطرابات الاجتماعية. أما على الصعيد الجامعي، فالانكماش هو السيمة الأساسية في كل شيء، بينما يتجلى التضخم في المراقبة المستمرة للغياب والتقييم المستمر للطلبة وفي الامتحانات. في هذا المقال سنتطرق للتعليم ما قبل الجامعي، وسنتطرق للتعليم العالي فيما بعد.
تم التطرق بالتفصيل للتعليم ما قبل الجامعي من خلال كتابي « التربية والتعليم: اختلالات ومعاطب وثقافة مجتمع » و « التعليم بين الكفايات والإدماج، من كرة القدم إلى نظرية داروين ». معاطب » منظومتنا التعليمية في كتابي « صرخة مغربي »، وما المطلوب عمله لإصلاحها، إلا أن كيفية مواجهة التضخم المعرفي تبقى من أولى الأولويات للحد من التشوه الخطير للمفاهيم العلمية في كل الميادين وعلى صعيد كل المستويات الدراسية ما قبل الجامعية، وخصوصا في الجيولوجيا. فكما أوضحت من قبل، فإن الكتاب المدرسي الذي يفترض فيه أن يشكل المرجعية السليمة للمفاهيم العلمية المتداولة، يبقى أكبر شاهد على مدى التشوهات الحاصلة. إنه أمر لا يستسيغه العقل، إنه أمر يؤشر بقوة على إفلاس منظومة تعليمية لن يجدي معه أي مخطط استعجالي ما لم ينفذ إلى « المعاطب » الحقيقية التي أصابت القلب النابض للمنظومة. أغمضنا أعيننا عن أعطاب اللغة والمفاهيم والمعارف، لننشغل بدل ذلك بالهوامش نزولا عند ما تمليه الهواجس.
فعلى سبيل المثال، يعرف تدريس الجيولوجيا بالتعليم الثانوي بشطريه الإعدادي والتأهيلي اختلالات عميقة ومفارقات غريبة، بحيث أصبح يمثل كابوسا حقيقيا للمدرس وحملا لا يطاق للتلميذ. الأستاذ يملي والتلميذ يكتب، في تحد صارخ لبيداغوجية التدريس « بالكفايات » التي لن تفيد، ولن يمكن التعويل عليها في غياب الكفاءات وباقي المؤهلات. ما كان مطلوبا تدريسه من رجل التعليم الثانوي التأهيلي من مفاهيم علمية يصعب عليه فهمها فهما سليما في كثير من الأحيان، تم تحميل عبئ تدريسها لرجل التعليم الإعدادي، فهل من تعليقٍ؟ فكما يقول المثل الدارجي « غير زيد عليه، منايضش، منايضش ». إنها الوسيلة الأمثل للإجهاز على قريحة التعليم عند الأستاذ وقابلية التعلم عند التلميذ، لنتظاهر في الأخير بالبكاء على أطلال منظومتنا التعليمية. كل همنا هو المسارعة لاستنساخ برامج ومناهج فرنسا غير آبهين بفوارق المؤهلات والكفاءات. هل يتصور أن يترشح المغرب للتظاهرات الرياضية الكبرى (ككرة القدم التي اختزلت كل همومنا) في غياب مؤهلات البنية التحتية الضرورية والطواقم البشرية المؤهلة، حتى ولو اقتضى الحال إنفاق الملايين من أجل جلبها؟ ألم نصبح بعد، بعد مرور نصف قرن من الزمن على استقلالنا، مؤهلين للعمل على تكييف ما نستنسخ وجعله ملائما لواقعنا ومؤهلاتنا؟
مع ازدياد حدة التضخم المعرفي على مستوى كل أطوار تعليمنا ما قبل الجامعي، عملنا على تغييب آلية الحد من سلبياته التي تتمثل في التكوين المستمر للمدرسين الجاد والمسؤول، وآلية التصدي له في المهد. تم تعطيل مفعول آلية التكوين المستمر باستعمالها في غير ما صممت له، فبدل توظيفها لمواجهة آثار التضخم المعرفي المعجز، فقد وظفت في التنميق البيداغوجي وتجميل الواجهات، في قلب صارخ للموازين، بحيث أصبحت الوسائل تشكل غايات في حد ذاتها. فبدل معالجة المرض بالقضاء على مسبباته، تم التعامل مع أعراضه بالعمل على التصدي للناقوس الذي ينذر بوجود الخطر المتمثل في الحمى. كما عملنا على إعطاب وتعطيل آلية التصدي للتضخم المعرفي وتشويه المفاهيم العلمية، التي تكمن في التكوين الأساسي لرجال التعليم. لن أتعمق هنا أكثر من اللازم في حيثيات هذا الموضوع، لأقول ومن باب المعايشة اليومية للأعطاب في المدرسة العليا للأساتذة بالرباط، أننا نعمل هذه السنة على تكوين مجموعة من مدرسي علوم الحياة والأرض بالتعليم الثانوي التأهيلي. منهم من تلقوا في الكليات تكوينا أساسيا في علوم الأرض، ومنهم من تكونوا في علوم الحياة. كان حظ أحد هؤلاء الطلبة الذين تكونوا في البيولوجيا موضوع بحث في الجيولوجيا تحت اشرافي. فبالرغم من كونه يتمتع بإرادة قوية ويعمل ما في وسعه، فإنه لن يتمكن أبدا من امتلاك ناصية ما هو مطالب بتدريسه من مفاهيم جيولوجية عندما يتخرج. ففاقد الشيء لا يمكن أن يطلب منه إعطاء ما لا يملك؛ يحدث هذا في الوقت الذي نتبنى فيه خطة استعجالية لإنقاذ التعليم. وحتى لا أطيل، فسأعيد ما ناديت به في كتاب صرخة مغربي بخصوص تكوين أساتذة متخصصين في تدريس علوم الأرض بالتعليم الثانوي وآخرين في علوم الحياة. فلا داعي لانتظار أن يحدث هذا عند فرنسا لنستنسخه منها، فأهل مكة أدرى بشعابها كما يقال.
أ. د. عبدالله لخلوفي
أستاذ باحث بالمدرسة العليا للأساتذة، الرباط

