أسباب خراب المجتمعات وانهيار الحضارات … تدمير الأسرة
أسباب خراب المجتمعات وانهيار الحضارات … تدمير الأسرة
——————————————————————————————–
مقال في جريدة هيسبريس: تألــق الإنـــاث على الذكــــور في امتحــــان البكالوريــــــــا …
——————————————————————————————–
أثار انتباهي مقال بالجريدة الإلكترونية « هيسبريس »، يوم الثلاثاء 5 يوليوز، تحت عنوان « تألق الإناث في الباكالوريا يطلق رياح التغيير على بنيات المجتمع المغربي » »، فقررت الاطلاع على محتوياته وأنا متيقن من المقاربة التي كتب بها.
بداية، فإن المقال يفوح روائح تنظير أيديولوجي لا يختلف عن التنظير الماركسي الينيني لصراع الطبقات (الذي كنت أحد معتنقيه في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي) والذي أدى إلى تدمير المجتمعات الشرقية التي فرض عليها بالحديد والنار (لينين ثم ستالين، ماو تسي تونغ…). وقد توج هذا المسلسل بقيام ثورات عارمة في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي أدت إلى اندحار الفكر الماركسي اللينيني. المهم أنه بعد انفضاح حقيقة أيديولوجية صراع الطبقات الاجتماعية الماركسية واندحارها، فقد تم التنظير لمثيلة لها، لكن على مستوى الأسرة، وهي بهذا، تعد أخطر بكثير من صراع وحرب الطبقات الاجتماعية التي خربت بلدانا بأكملها.
فبدلا من أيديولوجية حقوق ودكتاتورية العمال البائدة، تم التنظير لأيديولوجية حقوق ودكتاتورية المرأة داخل الأسرة، للدفع بها للثورة على نفسها وعلى كل القيم والأعراف. وحتى يتم تدمير الأسرة بطريقة محكمة، تم التنظير كذلك لأيديولوجية حقوق الطفل ودكتاتوريته داخل الأسرة. فبينما كان صراع الطبقات المدمر منحصرا بين مكونين للمجتمع، فقد تم التنظير له بين المكونات الثلاث للأسرة، لتكون أكثر شراسة وأعمق تدميرا وتشريدا للمرأة والرجل والطفل. نعم، تنظير أيديولوجي بئيس يتنافى تماما مع مفهوم الأسرة كخلية كل المجتمعات البشرية. فما هي الأسرة؟
فالأصل اللغوي للأسرة (المراجع اللغوية) ينحدر من الجذر « أسر » وهو يدل على الإمساك والقيد، أسره يأسره أسر وإسارة؛ والإسار ما شد به وهو القيد. فالأسرة، إذن، إسر وقيد، وهو ما يعني أنموذجا للاجتماع بين الرجل والمرأة مقيد لحرية كل منها في فعل ما يحلو له، كما لو كان منفردا. فمعنى الأسرة اللغوي يدل على أنه يشد بعضها بعضا تربطهم أواصر قوية تجعل علاقتهم صلبة، فالأسرة هي الدرع الحصينة لأنها تحمي أفرادها داخل حصنها المنيع، كما أنها حصن للإنسان بتثبيت مصدر وجوده وتكوينه وتنشئته… إذن الأسرة هي خلية المجتمع التي يجب أن تتمتع بكامل الحقوق التي تحميها وتحمي مكوناتها وتحفظهم من كل ما قد يهدد وجودها.
لنلق نظرة على محتوى المقال المنشور في « هيسبريس »، لنرى هل بقي لمفهوم الأسرة موضع قدم في التنظير الأيديولوجي لمفهوم حقوق المرأة والجندر، ناهيك عن حقوق الطفل.
يقول المقال « »ووصلت نسبة نجاح الإناث هذه السنة في امتحانات البكالوريا 70.87 في المائة من مجموع المتمدرسات اللواتي اجتزن هذا الاختبار، بينما شكلت نسبة نجاح الذكور الذين اجتازوا هذه الدورة 61.01 في المائة. ومن المتوقع أن يحمل المستقبل تغيرات كبيرة بالنسبة لبنية المجتمع المغربي وحضور النساء فيه، خصوصا أمام استناد الحركة النسائية إلى عنصر التفوق الدراسي لتعزيز مطلب التمكين الاقتصادي والاجتماعي » ».
وتعليقا على الفقرتين، أقول أنه لم يتم التطرق للنسبة المئوية للذكور والإناث الذين اجتازوا امتحان الباكلوريا. وقطعا ستكون النسبة المئوية للإناث أكبر، وتزداد اتساعا مع مرور السنين، وهو ما تطرقت له، من قبل، في كتاب « شاهدونا ونحن نخرب بيوتكم »، وكذا كتاب » Mixité de l’enseignement et pédagogisme». فلقد أوضحت، وهو ما توصل إليه الغربيون كذلك، أن التعليم المختلط شكل وبالا على المنظومة التربوية وعلى المجتمعات. شكل وبالا خاصة على المراهقين الذكور الذين، بدلا من التباري في الانضباط التعلم، فهم يتبارون في فرض وجودهم كذكور بكل الوسائل أمام إناث عاريات تثير أجسادهن الغريزة الجنسية الذكورية للمراهقين. وحتى القليل من الذكور الذين لا يتبارون في إثبات ذكورتهم، يبقون منعزلين، مستضعفين، ضعيفي الشخصية، مفتقدين لهمم التعلم والتألق. باختصار، هناك إذن إعصار مدمر يكدر أجواء التمدرس والتعلم، خاصة عند الذكور، خلال التعليم الإعدادي، وهو ما أدى الاختلالات التي تطرق لها مقل « هيسبريس ». لن أطيل في التطرق لكل حيثيات هذا الموضوع، الذي استوعبت خطورته الدول الغربية، خاصة أمريكا، منذ 1999، بحيث أعطيت الانطلاقة للعمل بالأقسام الغير مختلطة والتي حققت نجاحات باهرة مما أدى لزيادة الطلب عليها. إلا أن الإعلام الموجه، الذي يتماهى مع أيديولوجية الجندر وحقوق الطفل، لا يتطرق لمثل هذه الأمور التي تحدث شقوقا غائرة في صرح هذه الأيديولوجيات. أما عندنا وفي الدول العربية، فيعد هذا الموضوع من الطابوهات التي يحرم التطرق لها.
لنتابع التطرق للمقال، المنشور في هيسبريس »، حيث يقول الأستاذ سعيد جعفر، الباحث في السيسيولوجيا، للجريدة بخصوص نسبة نجاح الإناث العالية في الباكلوريا بـــ « أن أسباب ذلك داخلية وخارجية، مسجلا بروز مؤشرات تفيد بتحول المجتمع وخروجه من البنية الذكورية التقليدية المركبة إلى الترحيب بفئات أخرى، تتقدمها النساء. وأضاف أن “النساء استثمرن في التحول للخروج من الوصاية، وهذا ما يجري حاليا”، متوقعا استمرار الأمر وأن تكون له تأثيرات مهنية واقتصادية وثقافية تفتح آفاق الحداثة والتحديث بالبلاد » ».
فماذا يمكنني قوله بهذا الخصوص، سوى ما قلته، من قبل، لمن يرددون هذه الأطروحات، بأنها ليست من تفكيرهم وتنظيرهم. فما يتم تقديمه على أنه نتيجة أبحاث سيسيولوجية، هو تحصيل حاصل لما يتم فرضه، على الدول، من طرف المنظمات الأممية، من قبيل الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها وكذا مجلس الأمن الدولي. يتعلق الأمر بأجندة لا علاقة لها بثقافات الشعوب وحضاراتهم والأعراف، والتي تتماهى مع فطرة الإنسان كإنسان، فالأمر يتعلق بمفاهيم شاذة تضرب في الصميم مفهوم الأسرة الذي عرفته مقتضبا أعلاه. وكما يعلم الجميع، فالأسرة المكونة للمجتمع (كل المجتمعات البشرية) كالخلية المكونة للجسد، متى تم تدميرها يصاب الجسد بالتلف، وهو ما يحدث للمجتمعات إذا دمرت الأسرة.
فمن حيث أن » الأسرة هي الدرع الحصينة لأنها تحمي أفرادها داخل حصنها المنيع »، من حيث تعريف الأسرة ومن حيث ما يلزمه من تشريعات وقوانين وأعراف محصنة لها (وكذا الأطفال)، فقد تم العمل على تدمير هذا الحصن. نعم، تم تدميره من خلال التنظير الأيديولوجي الذي جعل منها رجلا كباقي الرجال، كما كانت تقول « سيمون دو بوفوار Simon de Beauvoir ». إلا أن الغريب المثير للتعجب، في هذا الأمر، هو أن يرفع شعار « النساء رجال كباقي الرجال » بالموازاة مع إصدار قانون التحرش الجنسي بالنساء. تناقضات لا تنتهي، فما دام مفهوم الجنس قد انتفى أمام مفهوم الجندر، وأن المرأة هي الرجل والرجل هو المرأة، فما محل مفهوم « التحرش الجنسي » من الإعراب؟ فهما متساويان، وقد تثير المرأة الغريزة الجنسية للرجل فيبادرها، وقد يثير الرجل غريزتها فتبادره هي؛ إذن إن كان هناك تحرش جنسي فهو متبادل، وعليه فلا مكان لتجريمه والجعل منه سيفا قانونيا مسلولا فوق رأس الرجل للزج به في السجن في أية لحظة. والخطير في الأمر، كما تطرقت لذلك في مقال سابق، فقد تم التنظير حتى لـمفهوم » الاغتصاب الزوجي »… زوج يغتصب زوجته؟ مفاهيم غريبة عجيبة عن الإنسان كإنسان… نتيجة لكل هذا، فقد ذهبت الأسرة أدراج الرياح يا أستاذ سعيد جعفر، فهل بهذا يتم « »تفتح آفاق الحداثة والتحديث بالبلاد » »؟؟ أي تفتح وأية آفاق وأي تحديث… !!!! فكما قلت، فهذا الأمر منظر له بعيدا عنا وعن مجتمعاتنا وعن بيئاتنا وعن ثقافتنا وعن حضارتنا، بل بعيدا عن أعراف المجتمعات البشرية. وعليه فالمطلوب منكم، كباحثيين سيسيولوجيين، البحث في البدائل التي تنسجم مع أعراف الإنسان وفطرته واقتراحها كبديل لهذا الهذيان الأيديولوجي. فالدول مقهورة، عليها التنفيذ، وهي الموقعة على مؤتمر بيكين (ليس اختياريا)، وعليه فبمثل الدراسات والاقتراحات المضادة يمكن إعطاء المسؤولين بعض الحجج تجعلهم يناورون من خلالها قدر المستطاع لتخفيف وطأة الضغوطات لتنفيذ هذه الأجندة وتأخير إنزالها على أرض الواقع، كما يراد لها من طرف الأمم المتحدة.
لن أستمر في الرد على فقرات المقال المنشور في هيسبريس، لأرد بنفس المنطق والبراهين على ما صرحت به سعيدة الادريسي، الفاعلة الحقوقية النسائية.
وفي النهاية إليكم هذا الفيديو الذي يتطرق لكتاب « فناء الغرب » لكاتبه الأمريكي « باتريك بوكنان »، ليتعظ من يتعظ.
