شاهدونا ونحن نخـــــــــــــــــرب مجتمعنــــــــــــــــــــــا بأيديــــنا
شاهدونا ونحن نخـــــــــــــــــرب مجتمعنــــــــــــــــــــــا بأيديــــنا
——————————————————————————————————————————
الطلاق، العنوسة، العزوف عن الزواج
الاضطرابات السلوكية عند الذكور والإناث،
المراهقة، تلوث مناخ التربية،
اضطراب أحوال التربية و التعليم…
ما هي أسباب هذا النزيف الاجتماعي الخطير؟
——————————————————————————————————————————–
اختلالات عميقة، بل اضطرابات شديدة، بل زلزال قوي يهز بعنف صرح منظومة الأسرة، بل يصيبه بتصدعات غائرة، وهو ما جعله على وشك الانهيار، انهيارا مدويا لن تقوم للمجتمع بعده قائمة. الأسرة، الخلية التي تكوّن جسد المجتمع، ما أن تتفسخ وتتحلل حتى يصاب المجتمع بالموت المحقق.
مشكل تحديد أسباب تصدع صرح الأسرة وما هي تجلياته
أين تكمن تصدعات صرح الأسرة، وأين يتجلى تفسخها كخلية؟ والجواب، أن الأمر لا يتطلب الرجوع إلى الأخصائيين نظرا لحنكتهم في تتبع ما آلت إليه أوضاع الأسرة المغربية (والأسرة على الصعيد العالمي) لمعرفة ما حصل ويحصل، فما حدث للأسرة يتكلم عنه القاصي والداني. إلا أن الأسباب التي أدت إلى هذا التفسخ والتحلل، تبقى غير واضحة بالنسبة للغالبية العظمى من المواطنين، ففي غالب الأحيان ما يتم إرجاعها إلى نتائجها.
من بين المظاهر المثيرة، أن الجميع يلاحظ أن الطلاق أصبح ظاهرة اجتماعية مثيرة تزداد حدة مع مرور السنين، بالموازاة مع تفشي ظاهرة العزوف عن الزواج وتفشي العنوسة. كما أن الجميع يلاحظ أنه حدث انقلاب دراماتيكي في شخصية (تصرفات) الذكور والإناث، فلقد انتكست الهمم عند الشباب وخفتت شعلة الرجولة، في مقابل ارتفاع همم الشابات وإقدامهن على أخذ المبادرة وتجشم بعض الصعاب. كما شكلت النسبة العالية للإناث، في المؤسسات التعليمية، خاصة في الجامعة، ظاهرة مثيرة للتساؤل، بحيث أصبحت هناك تخصصات يقل فيها الذكور بشكل مثير؛ بضعة ذكور في وسط العشرات من الإناث. ثم هناك ظاهرة « التخلي » عن الآباء المتقدمين في السن التي بدأت في التفشي، بحيث يتم الإلقاء بهم في دور رعاية المسنين.
فما هي الأسباب التي أدت إلى تفشي هذه الظواهر الغريبة، المخربة للمجتمعات، والتي تنم عن حدوث تصدعات غائرة في البنية الثقافية والحضارية للمجتمع المغربي؟ طبعا، تشابك المؤثرات الكثيرة وتفاعلها، سلبا، فيما بينها، يصعّب من مهمة رصدها بجلاء وتصنيفها قصد التصدي لها والعمل على تجاوزها من خلال توصيف المضادات الحيوية الثقافية والحضارية التي تبطل مفعولها. لكن ما هو ثابت، أن تعدد الأسباب وتشعبها وتلونها لا يجب أن يحجب عنا أصل المشكل، منبع كل هذه الظواهر. وقد سبق أن تطرقت لهذه الأمور المثيرة في الكتب التي ألفتها، خاصة كتاب « شاهدونا ونحن نخرب بيوتكم – الحداثة والإعلام » وكذا كتاب » Mixité de l’enseignement et pédagogisme, illusions et désillusions » والذي أعدت نشره تحت عنوان » Le grand retour à la non mixité scolaire aux USA, Canada et CEE ».
أصل الأسباب
وخلاصة القول، أن أصل المشكل يكمن في « أيديولوجيات اجتماعية » تم التأسيس لها منذ منتصف القرن العشرين، على ضوء نتائج أبحاث مشكوك في نزاهتها، تتعلق بالرجل والمرأة والأسرة والطفل، قام بها أساسا « ألفريد تشارلز كينسي » (Alfred Charles Kinsey)، أحيائي أمريكي وأستاذ علم الحشرات وعلم الحيوان، وعالم الجنس (دون نسيان المريض النفساني « جون موني » John Money الذي تسبب في انتحار الطفل (David) الذي أراد أن يحوله إلى بنت (Brenda)). نعم، كينسي، من علم الحشرات إلى علم الاجتماع وعلم النفس، قفزة بهلوانية، لا يحسنها إلا المرضى بعظمة الظهور، الذين يتم تجنيدهم لإضفاء الشرعية العلمية على أيديولوجية يراد لها الهيمنة. أسس معهد أبحاث الجنس في جامعة إنديانا بلومنغتون سنة 1947، والذي كان معروفا باسم معهد كينسي للبحث في الجنس والنوع الاجتماعي والتكاثر، ويعرّف على أنه أب الثورة الجنسية التي انطلقت عام 1968. هذا المعهد يهدف إلى النهوض بما يسمى بالصحة الجنسية والمعرفة الجنسية في جميع أنحاء العالم، وقد أصبح مرجعية الأمم المتحدة بهذا الخصوص. وبخصوص نتائج أبحاثه المدمرة للرجل والمرأة والطفل والأسرة، والمجتمع تبعا لذلك، فهناك ما قبل كينسي وما بعده. ولمعرفة ما قام به خلال أبحاثه الموبوءة والدمار الذي أحدثته في المجتمعات على الصعيد العالمي، أدعوكم لمشاهدة الوثائقي القيم الذي أنجزته الدكتوره « جوديت رايسمان » (Judith Reisman) بإدخال هذا العنوان على غوغل « ألفريد كينسي الرجل الذي دمر أخلاق أمريكا ». أستاذة جامعية محاضرة متخصصة في أبحاث كينسي وما أحدثته من دمار للإنسان على كل المستويات، تدمير للمرأة من خلال المساواة بينها وبين الرجل، عملا بالتنكر لأنوثتها (الجندر)، وما أحدثه هذا الأمر من صراع محتدم أدى إلى تمزيق الأسرة وتدميرها. كما أن أبحاثه أدت إلى التطبيع مع كل أنواع الشذوذ، ومن بينها أن الأطفال يزدادون جنسيين، أي قابلين للتمتع بالرعشة الجنسية، وعليه يبقى على الكبار تمتيعهم بها.
ماذا يعني مفهوم الحقوق… حقوق المرأة، حقوق الطفل
هنا يكمن أصل كل البلايا التي تعاني منها البشرية على كل الأصعدة، من قبيل تفكك عرى العلاقات الأسرية بين المكونات الثلاث (الرجل والمرأة والأطفال) وكذا العلاقات الاجتماعية. هذه الأيديولوجيات شكلت المرجعية لسن قانون (اتفاقية) « حقوق المرأة »، والذي تشم منه رائحة الاتهام الصريح للرجل (والمقصود به، طبعا، الرجل الزوج). هذا القانون يضمن لها أن تصبح حرة، طليقة تعيش حياتها كما يحلو لها، جسدها حريتها، كما تردد النسويات عندنا في السنين الأخيرة. من هنا، تم التأسيس لكل أصناف الشذوذ الحنسي، بديلا عن العلاقة الزوجية، الطبيعية الفطرية، التي تجمع بين الرجل والمرأة، بحيث يتم الدفع في اتجاه العلاقة بين أنثيين (السحاقية) وبين ذكرين (المثلية، « اللواطية »)، والتأسيس لأصناف من الأسر الممسوخة، غريبة عن كل المخلوقات التي توجد على وجه الأرض.
كما أن قانون (اتفاقية) « حقوق الطفل » تشم منه، هو كذلك، رائحة انتهاك حقوقه من طرف من والديه، من طرف أبيه وأمه، ولهذا السبب تعطي الدولة نفسها الحق للتدخل لحماية الأطفال وضمان حقوقهم (أية حقوق؟)… (إنه لأمر عجيب) وكذا تربيتهم من منظورها الذي يمثل انصياعا لقرارات منظمة الأمم المتحدة، التي أعطت لنفسها الحق في التدخل فيما لا يعنيها… فالأطفال أطفال الدولة، … فما الفرق مع كوريا الشمالية؟ كما أن هذه الأيديولوجيات الغريبة هي من تسببت في تدهور أوضاع التربية والتعليم بسبب فرض نظام التعليم المختلط منذ 1975، قصد محاربة التمييز العنصري بين الذكور والإناث. وإنه لأمر عجيب (لكن إذا ظهر السبب بطل العجب)، أيديولوجيات كلها تناقضات وتفاهات، لكن لا عقول لمن تنادي… فالتمييز العنصري الذي يجب التصدي له يتجلى، مثلا، في تفضيل عرق بشري على عرق آخر، على أساس اللون أو اللغة أو الدين، … فما دخل الفصل بين الذكور والإناث داخل المؤسسات التعليمة في مفهوم التمييز العنصري؟ هل يعني هذا أن هناك تفضيل لجنس على آخر؟ هل يتم تخصيص مدرسين أكفاء للذكور على حساب الإناث؟ هل يتم تخصيص أقسام في حالة جيدة (أو مؤسسات تعليمية) للتلاميذ على حساب التلميذات؟ نعم، إنها أيديولوجيات كلها تناقضات، لن تثمر سوى التناقضات والانتكاسات…لن أطيل بهذا الخصوص، لأقول بأن هذه المنظومة من القوانين الشاذة هي عين التناقضات الصارخة، هي عين الاستهتار بإنسانية الإنسان.
أسباب الطلاق وضياع الأطفال والعنوسة…
بعد هذا التقديم المقتضب الذي يفرض نفسه لمعرفة أصل المشكل، أصل أسباب ما تعانيه المجتمعات من خراب، فلنعد للتطرق إلى أسباب تفشي ظواهر الطلاق والعنوسة وقلب الأدوار بين الذكور والإناث وكذا تراجع النسبة المئوية للذكور بالجامعات أمام الإناث… أسباب خراب المجتمعات بخراب الأسرة وتدمير المرأة والطفل والرجل. لن أتعمق كثيرا في التطرق لهذه الأسباب، وكيف تتجدر وتتشعب داخل المجتمعات، فسأكتفي فقط بما يمكن من إلقاء الأضواء الكاشفة لتجلية الأمور.
أبحاث « كينسي » تمثل مرجعية كل القوانين
التنزيل على أرض الواقع لحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل (أيديولوجية الجندر)، وكذا حقوق الطفل، استنفرت له منظمة الأمم المتحدة، من خلال كل الدول التابعة لها (وكلها تابعة) المنظومة التشريعية (تشريع القوانين) والمنظومة القضائية والمنظومة الأمنية والمنظومة الإعلامية والمنظومة التربية والتعليمية… كل هذه المنظومات الحساسة تعمل، متآزرة فيما بينها، لتنفيذ مقررات الأمم المتحدة التي أوصلت أوضاع الأسرة والمجتمع إلى هذا الحد من الانهيار. اليوم تعمل هذه المنظومات متآزرة فيما بينها، لكن في البداية، بعد نشر نتائج الأبحاث الموبوءة لـــ »ألفريد كينسي »، تكلفت المنظومة الإعلامية المستحكمة في العقول بتمرير الخطاب الذي يراد له أن ينفذ إلى أعماق المستحكم فيهم. تبارت لهذا الغرض كل الوسائل من قبيل السينما والرسوم المتحركة والتلفزة والإذاعة والصحف والمجلات والإشهار. وبعد أن نفذت الدعاية إلى الأعماق وتقبلتها دخلت المنظومة التشريعية على الخط بالتدرج، وبدأت تسن القوانين في كل دولة، دون نسيان المرجعية المتمثلة في انعقاد المؤتمر العالمي للمرأة الذي انعقد في « بيجين » سنة 1976 والمؤتمرات والتي أخرجت المرأة من معادلة الأسرة، وجعلت منها وحدة قائمة بذاتها، حريتها الشخصية حرية مطلقة، وأنها مساوية للرجل. تم تخطي مفهوم الجنس، وتبني مفهوم النوع الاجتماعي الذي يتعارض حتى مع قوانين الطبيعة، فالرجل رجل بخصوصياته والمرأة امرأة بخصوصياتها، فلا مكان للمساواة وعدم المساواة… لكنها الأيديولوجية الهدامة. والعجيب في الأمر أن سن « قانون » مساواة المرأة مع الرجل تم تدعيمه بقانون التحرش الجنسي، لحماية المرأة من الرجل. قانون التحرش هذا يعيد الكرة إلى المربع الأول، مربع المرأة امرأة والرجل رجل، والمرأة تمثل الجنس اللطيف، ويا له من توصيف جميل للمرأة تم وأده بقوة القوانين الأيديولوجية التي تعاكس قوانين الطبيعة البشرية. بلغ الشحن العاطفي بالمرأة، من طرف جوقة وسائل الإعلام ذروته فيما يتعلق بحريتها، لتجهر بقوة أنها عازمة على تكسير الأغلال التي كبلتها وهي زوجة. لقد بلغ بها الحد، في السنين الأخيرة، أن تجهر بشعار « جسدي حريتي »؛ فيا لها من انتكاسة لا يمكن للعقل السوي أن يستسيغها. المرأة، التي هي المجتمع كله، كما أقول دائما، يبلغ بها الحد ألا ترى في نفسها إلا تلك الكتلة اللحمية (جسد) المثيرة لشهية من يرونها. ألا تعلم المرأة أن عمر جاذبية جسدها « حريتها » قصير جدا، سرعان ما يفقد مفاتنه وجاذبيته، فتفقد المرأة النسوية (« فيمينست ») صك حريتها، وتدخل في خانة المهملات؟
قوانين شاذة مقززة
هذه الحقوق والحريات التي تم تلغيم المرأة بها، صاحبها، على الجانب الآخر، تنكر ضمني، ثابت، لحقوق الرجل، بحيث أصبحت التهمة ثابتة في حقه لكونه رجل، ولكون الحقوق التي أعطيت للمرأة لا معنى لها لولا ظلم الرجل « الموثق ». وهكذا، فيكفي أن توجه المرأة أصبع الاتهام إلى الرجل (خاصة زوجها) حتى يصبح مجرما، يجب اعتقاله ومعاقبته. ومن أغرب القوانين التي تم سنها، للإجهاز على ما تبقى من الأواصر الزوجية، قانون « الاغتصاب الزوجي »، السيف الحاد الذي تم تمكين المرأة منه للاستعمال عند الضرورة. نعم، للاستعمال عند ضرورة التخلص من الرجل (الزوج) والزج به في السجن. نعم، الاغتصاب الزوجي، يا ناس، فما هو تعريفه؟ وكيف يمكن إثباته؟ وكيف للزوج أن يتجنبه ولا يرتكبه؟ نعم، يتعلق الأمر بآخر رصاصة تطلق على نعش الأسرة، فلماذا التباكي عن تفشي ظاهرة الطلاق؟ ولماذا ندب حظ العانسات؟ هنا تكمن أسباب ظاهرتي الطلاق والعنوسة… ثم، للعنوسة سبب آخر، يتعلق بالفتيات نسهن، فمن كثرة الشحن الإعلامي الخبيث، بدأ تفشي ظاهرة عزوف الفتيات عن الزواج … تريد أن تبقى كما تشاهد في وسائل التواص الاجتماعي وفي الأفلام والمسلسلات. فالمرأة أعطيت حقوقا جعلت منها أعتى دكتاتورية، إن هي لم تتفطن لما يراد لها، وما يراد بها ويحاك ضدها، وكيف أنها استعملت لتدمير الأسرة والمجتمع.
المنظومة الإعلامية مثلت حصان تراودا لإدخال قوانين غريبة عن الأسرة والمجتمع
عندنا، بدأ مسلسل التطبيع مع كل هذه الظواهر الدخيلة على المجتمع، بل على كل المجتمعات البشرية، خاصة من خلال المسلسلات المكسيكية التي غزت كل البيوت منذ التسعينات من القرن الماضي، وقت لم تكن فيه بعد وسائل التواصل الاجتماعي. واتسع تأثيرها بعد أن تمت كهربة العالم القروي بسرعة فائقة، من دون أية دراسة مسبقة، تجعل من هذا المشروع رافعة قوية تنهض بالعالم القروي. بل على العكس، فقد اضطربت أحوال سكان البادية اضطرابا شديدا قلب كل المفاهيم … كل هذه الحيثيات تطرقت لها بالتفصيل في كتاب « شاهدونا ونحن نخرب بيوتكم – الإعلام والحداثة ».
حقوق المرأة الأيديولوجية والقوانين المجحفة التي صاحبتها، تم تصريفها إلى مدونة الأسرة، وأخص بالذكر تلك التي صدرت في 2004، والتي شكلت فاتحة شر على المجتمع. اضطربت أحوال الأسرة، فقل الزواج وكثر الطلاق فضاع الأطفال، وحتى لو لم يكن هناك طلاق فقد انقلبت المفاهيم في البيوت، ليكون الأطفال من ضحاياها. سطوة المرأة، الأم، في البيت أدى إلى تغييب دور الأب في التربية، خاصة تربية الأبناء، الذين أصبحوا من دون مرجعية ذكورية تشحذ الهمم وتربيهم على الرجولة. إذن، لا مبرر للتباكي على أطلال صرح هدمناه بانصياعنا لأيديولوجيات مدمرة، دخيلة على مجتمعنا وكل المجتمعات البشرية. ثم هناك ظاهرة أخرى تفشت بالموازاة مع تفشي ظاهرة سطوة المرأة في البيت، أو عند الطلاق، بحيث يتعلق الأمر بظاهرة استعمال الأطفال كذروع في مواجهة الأب. في مواجهتها للرجل، تبدأ المرأة بشحن الأبناء والبنات ضد أبيهم، وهي ظاهرة لم تكن معروفة من قبل، حينما كانت سفينة الأسرة موجهة من طرف الرجل الأب. فلم يحدث أبدا، من قبل، أن استعمل الأب الأبناء والبنات ضد أمهم إذا ما حصل بينهم شنآن، بل كان الحرص كل الحرص أن يبقوا بعيدين عما قد يحدث بين الأبوين. هذه الظاهرة انضافت إلى الظواهر السلبية الأخرى لتنخر الأسرة، بحيث تنخر المرأة (المغرر بها) وتنخر الرجل (الذي تم تغيب دوره كأب) وتنخر الأطفال الضحايا. سطوة المرأة في البيت، تسببت في ترجل البنات مقتدين بأمهاتهم، وتأنيث الذكور قدوة بأمهاتهم … هذه هي الأسباب التي أدت إلى الانقلاب المثير الذي حدث في شخصية الذكور (تأنيث الذكور) والإناث (أذكرة الإناث)، وهو الانقلاب السلوكي الذي عملت المنظومة الإعلامية المدمرة لكل المفاهيم والأعراف على تثبيته، على كل المستويات.
لماذا تنجح البنات ويرسب الذكور؟
ظاهرة مثيرة أخرى، سببها كذلك، الأيديولوجيات التي تصادم الفطرية البشرية السوية والتي ألبست أقنعة علمية للتمويه على شذوذها. نعم، تم إخراج ورقة أيديولوجية « التمييز العنصري الجنسي » لمنع الفصل بين الذكور والإناث في المؤسسات التعليمية، وهو ما تم تبنيه سنة 1975 من طرف الأمم المتحدة، ومطالبة الدول المنضوية تحتها بالالتزام بهذا القرار. لن أخوض في تفاصيل هذا الموضوع، فقد سبق أن تطرقت له في كتاب » Mixité de l’enseignement et pédagogisme – illusions et désillusions ». المهم أنه بعد مرور 24 سنة من هذا القرار ظهرت نتائجه الكارثية عندنا وفي العالم، خاصة في الدول الغربية (التي يحلو لنا اتخاذها مرجعية لنا في شؤون بيوتنا وأسرنا وأطفالنا ونسائنا ومطعمنا وتعليمنا…) بحيث ضاع التعليم في أقسام حولها المراهقون الشباب إلى ميادين للصراع لإثبات ذكوريتهم ومن ستكون له الهيمنة على الشابات المراهقات العاريات … ضاع التعلم وضاع الشباب خصوصا، الذين مثل لهم سن المراهقة مرحلة مدمرة. كما أن الإناث عانينا (ويعانين) كثيرا من ترويع وتخويف وتهديد المراهقين الهائجين. المهم أن الغربيين، في أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا، صادقوا سنة 1999 على البند الذي لا يرى في التعليم الغير مختلط نوعا من التمييز الجنسي لتفتح الأبواب على مصراعيها لخلق مؤسسات تعليمية عمومية وخصوصية للتعليم الغير المختلط. خلال سنة واحدة تحولت في في أمريكا 520 مؤسسة تعليمية من مختلطة إلى عكس ذلك. ولقد تبين، فيما بعد، أن مؤسسات التعليم الغير مختلط تميزت بتألق التعليم بها واحتلالها المراكز الأولى للمؤسسات التعليمية الناجحة. وأبرز مثال، بهذا الخصوص، أن حيا من أحياء هارلم، بمدينة نيويورك، المعروف بتفشي الفوضى وأعمال العنف، تم فيه الفصل بين الذكور والإناث في المؤسسات التعليمية والأقسام فكانت النتيجة أن كل مظاهر العنف والفوضى اختفت من الأقسام وأصبح التلاميذ يجتهدون في التعلم واكتساب المعارف. لن أطيل بهذا الخصوص لأقول، أن الغرب أعطى المثال، الذي على جميع الدول اتباعه، في الانصياع للقوانين الموبوءة التي فصلت كما يراد لها من المنظور الأيديولوجي الملحد للإنسان، إلا أنهم غيروا بعض الشيء من انصياعهم الأعمى حينما تعلق الأمر بالتعليم المختلط وما يسببه من اضطهاد للفتيات من طرف التلاميذ المراهقين. قطعا، لم يعيروا أي اهتمام لكون نسبة الشباب (الذكور) الذين يلجون التعليم العالي منخفضة وتزادوا حدة، فهذه الأيديولوجيات حكمت زورا بثبوت التهمة على الرجل باضطهاده للمرأة.
متى نعمل على تقليد الغرب، كما هو حالنا، في قضية الفصل بين الجنسين في التعليم، ولو بنسبة قليلة، فقط كمبدأ. لنترك المجال مفتوحا، كما هو الحال في الغرب، للمواطنين في الاختيار بين التعليم المختلط والغير مختلط، وإيجاد المؤسسات التعليمية الخاصة (أقل الإيمان) التي تلبي طلب المواطنين بهذا الخصوص.
وختاما أقول أن أيديولوجية الجندر ومخرجاتها من قبيل حقوق المرأة وحقوق الطفل، شكلت أكبر تحد للبشرية في وجودها. فقد مثلت مصدر كل الشرور التي يعرفها المجتمع على صعيد الأسرة والأفراد وعلى صعيد التعليم (قلب ورئة المجتمعات). الأصل واحد، منه تفرعت كل الأسباب الثانوية التي يتعاطى معها الإعلام والكثير من المحللين، فبدلا من فصح حالة الجذور، فقد أصبح الجميع يتبارون في معرفة أسباب اصفرار أوراق الشجرة وسقوطها وكذا رداءة ثمارها… يجب استصلاح التربة حيث تمتص الجذور المواد المغذية للشجرة، فروعها وأغصانها وأوراقها وثمارها.
الرباط في 17 غشت 2022
لخلوفي عبد الله
