الكتاب المدرسي: مفاهيم تكتونية الصفائح
الكتاب المدرسي: مفاهيم تكتونية الصفائح
أمثلة لتشوهات معرفية وعلمية
جد حرجة
سبق نشر المقال سنة 2012
من حين لآخر يسألني بعض الأساتذة ويطلب مني آخرون التطرق لتكتونية الصفائح لتحيين المفاهيم وتقويم ما قد يعرض مشوها في الكتب المدرسية
مقتطف من كتاب « التربية والتعليم وثقافة مجتمع، اختلالات ومعاطب: صرخة مغربي »
أسوق هنا بعض الأمثلة فقط، للتدليل والبرهنة على أن التكوين الرديء والفاسد لا ولن تسعفه تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الحديثة كيفما كانت فعاليتها وفاعليتها، ولا المقاربات البيداغوجية البراقة أيّا كان المنظّرون لها. فالشجرة الفاسدة جذورها لن تثمر، في أحسن الأحوال، إلا الرديء من الثمار، حتى ولو تم الاعتناء بما فوق الأرض منها (الجذع والأغصان والأوراق والثمار نفسها) بكل الوسائل الممكنة؛ نعم، ففاقد الشيء لا يعطيه ولن يعطيه بأي حال من الأحوال. فالأفراد الذين يتغذون على ما توفره تربة تربوية وتعليمية فقيرة لغويا ومشوهة معرفيا لن يمكنهم أن يثمروا إلا ما تغذّوا عليه.
لن نتطرق للتضخم المعرفي الهائل الذي يئن منه الكتاب المدرسي والذي تمليه البرامج والمناهج المعمول بها، في انفصام تام مع الواقع التربوي والتعليمي، بل سنتوقف عند محتواه المعرفي، آخذين كتاب علوم الأرض (الجيولوجيا) كشاهد ومثال لما له من خصوصيات، حيث يظهر جليا أن ما بداخل طياته يوثق لأخطاء وتشوهات معرفية علمية connaissances scientifiques)) خطيرة، ونفس الشيء بالنسبة للمصطلح العلمي ومضمونه والترجمةterminologie et traduction) ). فلقد أصبحنا عاجزين عن تعليم أطفالنا حتى المعلوم والمفهوم من العلوم؛ فماذا يمكننا إذن أن نتوخاه من التدريس بمقاربة الكفايات وبيداغوجيا الإدماج وكذا بالانخراط في عالم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؟ هل يمكننا الاعتماد على هذه الوسائل لوحدها لبلوغ هدف تكوين وإعداد أجيال قادرة على اقتحام عالم المعرفة والتكنولوجيا فهما وإسهاما، أخذا وعطاء؟ ومما يندى له الجبين، أن الكثير من هذه الأخطاء والتشوهات المعرفية أصبحت مزمنة، تتداول من سنة لأخرى (منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي، وخاصة منذ 2004)، ومن كتاب مدرسي إلى آخر، ومن مستوى تعليمي إلى آخر. فحتى كتب السنتين الأولى والثانية من التعليم الإعدادي (الثانوي الإعدادي حاليا) التي بدأ العمل بها خلال السنة الدراسية (2004-2005) من منظور ما يسمى التكوين بمقاربة الكفايات لم تسلم من هذه الأخطاء والتشوهات المعرفية، بل حتى كتب السنة الخامسة ابتدائي، حيث يتم التطرق للتضاريس والطبوغرافية، فإن المفاهيم لم تسلم من العاهات والتشوهات. ومن باب إثارة الانتباه، نتساءل بهذا الخصوص: ماذا سيتبقّى للطفل التلميذ من حيز زمني واستعداد ذهني وفكري للتعلم والتكون والتحصين لغويا ومن سيكوّنه بعد أن ضيعنا المعلم المحترف، الكفء لغويا وعوضناه بالمعلم « الكشكول » ذو المهام المتعددة الفلكلورية؟ ثم بعد كل هذا نتباكى على أطلال صرح منظومتنا التعليمية الذي يتهاوى بفعل اختلال وتصدع قاعدته اللغوية والتشوهات المعرفية المزمنة.
هل يعقل أن نجد أنفسنا بعد خمسين سنة (50) من بناء الصرح التعليمي لبلادنا عاجزين عن تأليف كتب مدرسية سليمة حتى لمستويات تعليمنا الأساسي؟ هل يتعلق الأمر بغياب الكفاءات أم بتغييبها؟ أم بالأمرين معا؟ أم باستشراء الفوضى واللامسؤولية؟ ألم يحن الوقت بعد للتعامل مع قضايانا الوطنية الحيوية، وخاصة تعليمنا، بتفكير سليم وبكيفية مسؤولة اعتمادا على الكفاءات الوطنية الحقيقية، بدل التعامل بطريقة انتقائية مفتقدة للمصداقية؟ كيف يمكننا مواجهة آثار العولمة ومقتضياتها وتبعاتها إن لم نتمكن من ضمان ولو الحد الأدنى من مصداقية كتابنا المدرسي (الشاهد الموثق)، وبالتالي نظامنا التعليمي، حتى لا تضيع هويتنا الوطنية تبعا لذلك؟ في غياب تعليم رائد، كيف لنا أن نتطلع لإنجاح مشروع التنمية البشرية الذي أعطى انطلاقته عاهل البلاد؟ إنها مسؤولية المسؤولين عن المنظومة التربوية والتعليمية، فعليهم أن يقطعوا نهائيا مع منهجيات التسيير ومقاربات التدبير ومسلسل الإصلاحات التي ثبت عقمها وتجلت بوضوح مفاسدها.
فيما يلي، سنتوقف بشيء من التفصيل عند بعض النماذج فقط من المفاهيم والمصطلحات العلمية الجيولوجية الخاطئة والمشوهة، اخترناها لأنها تتعلق بــ »تكتونية الصفائح »، وهو الجانب المثير للفضول من علوم الأرض، يعرف عنه حتى من لا علاقة لهم بهذه العلوم، من خلال الأفلام الوثائقية المتلفزة أو التي توفرها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
◄– مفاهيم علمية جيولوجية خاطئة أو مشوهة
من بين المفاهيم العلمية الخاطئة والمشوهة إلى حد بعيد، والتي أصبحت تتداول بكل تلقائية، ويعاد نشرها في كل الكتب المدرسية (الدروس، التمارين، والامتحانات…) ما يلي:
(أ) – « التدفق البازلتي المستمر على مستوى ذروة المحيط يؤدي إلى دفع البازلت القديم جانبيا مما يجدد قعر المحيط فيتم امتداده »؛
(ب) – « أن البازلت الجديد يدفع البازلت القديم الذي يدفع بدوره القارات، مما يؤدي إلى اتساع قعر المحيط« ؛
(د) – « أن الرواسب الحديثة المتشكلة على مستوى الذروة المحيطية تدفع الرواسب القديمة، مما يؤدي إلى اتساع قعر المحيط وبالتالي ابتعاد القارة الإفريقية عن القارة الأمريكية مما يدعم نظرية Wegener « .
هذه الأمثلة من المفاهيم العلمية الخاطئة المشوهة إلى حد لا يقبله العقل، تمثل أخطاء مزمنة وخطيرة الأبعاد على فهم وتصور مبادئ ومرتكزات ومقتضيات تكتونية الصفائح خصوصا (fondements de la tectonique des plaques (، وعلوم الأرض عموما، وهي أخطاء ملازمة لكتب علوم الحياة والأرض للسنة الثانية من التعليم الثانوي الإعدادي. ومن المعلوم أن هذين المفهومين الخاطئين المشوهين (أ) و (ب) قد تم اجترارهما سنين طويلة في السنة الخامسة من التعليم الثانوي (الجذع المشترك الحالي) حتى السنة الدراسية (2004-2005)، قبل أن يبدأ العمل بتدريس هذه المفاهيم الغير مفهومة في المستوى الإعدادي، ويا لها من مفارقة عجيبة غريبة. هذه المفاهيم شكلت تحديا لرجال التعليم الثانوي التأهيلي ومؤلفي الكتب، فإذا بنا نعمل على تحميل عبئ تدريسها لرجال التعليم الإعدادي، أي تحميلهم ما لا طاقة لهم به معرفيا، فكما يقول المثل الدارجي (والدارجة أصبح لها شأن معتبر حتى في منظومتنا التعليمية) « غير زيد عليه ما نايضش ما نايضش » (هذا المثل الدارجي كلام على لسان الحمار الذي برك على الأرض من ثقل ما حملوه عليه، فلما رآهم يزيدون إثقاله، قال « لن أتمكن من الوقوف من فرط ثقل الحمل
« فإن شئتم أن تزيدوا فزيدوا، فلن أقوم ».
عبد الله لخلوفي
جامعة محمد الخامس
انتظروا التطرق للمفاهيم العلمية الخاطئة والمشوهة في المقال القادم
صمم المجسم الثلاثي الأبعاد ارتكب خطأ علميا فادحا، سأتطرق له لاحقا إن لم يتبين لكم


