آليات صناعة التخلف – استطلاع وإرهاصـــات
مقتطفات من كتاب « آليات صناعة التخلف – وقفة صريحة مع الذات »
————————————————————–
استطلاع وإرهاصـــات
تعتزم زيارة بلد ما، وتريد أن تكون عندك صورة واضحة عن ثقافة شعبه وعقليات أفراده وطريقة عيشهم وتفكيرهم وتصرفهم وتعاملهم وما إلى ذلك؟ الأمر جد هين، فلن يتطلب منك إلا الحيز الزمني لاجتياز فضاء الجمارك عند الحدود البحرية أو البرية، أو فضاء المطار إن كنت ستسافر بالطائرة. ثم يكفيك أن تحسن استعمال جهاز الرصد والتتبع المجاني الذي بحوزتك، المتمثل في العينين اللتين تبصر بهما، لتنظر حولك كيف يتعامل الناس فيما بينهم ومع محيطهم وبيئتهم، وكيف يتصرف موظفو الجمارك ومرافق الاستقبال مع المسافرين، وفيما بينهم.
تنظر كيف يتعامل المسافرون، من البلد، فيما بينهم وهم يأخذون تذاكر السفر، وهم يؤشرون على الجوازات، وهم يستلمون أمتعتهم، وما إلى ذلك من الخدمات؟ هل يحترم بعضهم بعضا؟ هل يعرف كل واحد منهم ما له وما عليه؟ هل يعرف كل واحد منهم أن من هو قبله له حق الأسبقية عليه، فلا يزاحمه ولا يتخطاه ولا يتجاوزه بأي حال من الأحوال؟ أم أنهم يتزاحمون فيما بينهم أمام الشبابيك وفي الممرات؟ كيف يتصرفون وهم يصعدون أو ينزلون من الطائرة، من الباخرة، من الحافلة ومن القطار؟ كيف يتفاعلون مع محيطهم وبيئتهم؟ كيف يتعاملون مع النفايات، وخاصة البلاستيكية التي غزت كل أوجه الحياة اليومية؟ كيف يتعامل المدخنون مع بقايا سجائرهم، وما إلى ذلك؟ هل يبحثون عن قمامات النفايات المعدة لهذا الغرض (وهل هناك قمامات؟)، أم أنهم يلقون بما في أيديهم على الأرض أو في أي مكان ولا يبالون؟ كيف يتعاملون مع القوانين الحديثة المانعة للتدخين في مثل هذه الأماكن؟
ثم، كيف يتعامل الموظفون العاملون بمصالح الجمارك على الحدود مع المسافرين؟ كيف يتفاعلون مع أنواع الخدمات الواجب عليهم القيام بها؟ هل يظهر عليهم أنهم يحسون بمسؤولياتهم، من خلال الحرص على القيام بما يمليه عليهم الواجب دونما إضاعة للوقت وبانشراح؟ أم أنهم يتصرفون كأنهم يسدون للمسافرين خدمات لا تلزمهم، فتراهم يجتهدون في إضاعة الوقت في الكلام فيما بينهم، والتنقل من مكان إلى آخر، أو في الكلام عبر الهاتف؟ هل تحظى جودة خدمة المسافرين باهتمام الموظفين، أم أنه لا يعار لها أي اهتمام، فترى الموظف المتشنج العبوس المكشر المتضايق ممن حوله، يتكلم مع المسافر بمنطق المسؤول المتسلط مع من هم تحت سلطته؟ هل هناك العدد الكافي من الموظفين ومن الشبابيك والمرافق لخدمة المسافرين، لتسريع وتيرة تقديم الخدمات، وهل هناك من تبسيط لمساطرها؟ هل هناك مظاهرا للزبونية والمحسوبية في التعامل مع المسافرين؟ هل مرافق استقبال المسافرين تبدو مجهزة بكل ما من شأنه أن يزود المسافر بجميع المعلومات الضرورية لتسهيل وصول من وصل، ومغادرة من سيغادر، وانتظار من ينتظر؟ هل القاعات مجهزة بمكيفات الهواء، وهل المرافق مجهزة بكل ما من شأنه أن يسرع من وتيرة عبور الناس وشتى أنواع الآليات؟ وهل، وهل…؟
هذه عبارة عن جولة استكشافية ميدانية، نوع من الرصد المبكر الثمين، والذي لا يتطلب أي جهد استثنائي، إلا أن ما يتم جمعه من معطيات يشكل الخطوط الرئيسية التي تجعل اللوحة ناطقة بطريقة تصرف الأفراد والثقافة السائدة في مجتمعهم. فما على الزائر لبلد ما، إلا أن يحسن التقاط ما يرى ويحسن قراءته لكي تتكون عنده فكرة مسبقة واضحة عما ينتظره في البلد الذي يقصده. فإذا ما طغت على لوحة الرصد التي تشكلت، خطوط وألوان غياب النظام والتنظيم والاستهتار بالمسؤولية والواجب، فما عليه إلا أن يتهيأ نفسانيا لما ينتظره من منغصات ستفسد عليه حتما الكثير من جوانب الحياة اليومية، من صنف إضاعة الوقت واضطراب المواعيد والإخلال بالالتزامات. فأينما حل وارتحل فسيرى ويعايش ألوانا من مشتقات الفوضى المستشرية في كل مكان، وعلى كل المستويات والأصعدة؛ فوضى في شتى أوجه العمران والتمدن، بدءا بالبنايات وانتهاء بالنفايات، مرورا بفوضى وسائل النقل والسير عند السائقين وعند الراجلين على السواء، واستشراء كل مظاهر الغش والتحايل ومظاهر انعدام الأمن.
وعلى العكس من الصورة الأولى، فإذا طغت على اللوحة المتشكلة خطوط وألوان الانضباط ومعرفة الأفراد، كل واحد منهم، أين تنتهي حريته وتبدأ حرية الآخر، فليعلم أنه يقصد مجتمعا متناسقة عوالم عمرانه، منظمة حركات أفراده ووسائل نقله، الخ. فما عليه إلا أن يطمئن على مقامه بهذا البلد، وعلى نفسه وعلى ممتلكاته وعلى نجاح مهمته به.
وقفة نقدية مع الذات المغربية، مع ذواتنا كأفراد ومع ذاتنا كمجتمع، لن تتأتى إلا إذا عزم كل واحد منا أن يقف وجها لوجه مع نفسه ليصارحها، ولو اقتضى الحال الوقوف أمام المرآة ليحاسب نفسه، لا كما اعتاد من قبل، ليصفف شعره ويحلق ذقنه، وليعجب بنفسه ويحيطها بهالة من النرسيسية والأنانية، محملقا في وسامة وجهه وجمال شعره وقوة عضلاته. لا يقف لينسج عالما من الخيال للتمويه عن نواقصه وإخفاء نقائصه، كل همه إثبات ذاته لذاته، بل يقف ليحاول النظر وراء هالة التمويه الأناني التي أحاط نفسه بها، ليعمل على تشخيص تشوهاته وداءاته وعلله وأسقامه، لا الجسدية والخلقية، بل النفسية والأخلاقية، الفكرية والتصورية، المرجعية والمنهجية.
فحتى إن أردنا أن يغير الله تعالى ما بحالنا، فلن يغير ما بنا إلا إذا نحن غيرنا ما بأنفسنا؛ إنها وصفة موقوفة التنفيذ على الوقفة النقدية الصريحة المطلوبة مع الذات. فبدل أن يقف أحدنا أمام المرآة ليلقي نظرة إعجاب بنفسه، على ما يظنه ذكاء وشطارة (كما يقول المصريون) وفطنة، لطول باعه في المراوغة والانفلات من جميع الضوابط، والإخلال بتحمل المسؤولية والقيام بالواجب، فعليه أن يعكس المنظار والمنظور تماما، ويقلب المنهجية ظهرا على عقب، إن هو أراد أن يضع اللبنة الأساس لإصلاح حاله، والإسهام في إصلاح مجتمعه. فعليه بداية أن يخجل من نفسه بدل العجب بها، وهو ما يشكل بداية الطريق لمواجهتها وجها لوجه، ومكاشفتها بخصوص الشاذة والفاذة من الأمور والقضايا. فالنفس بالنسبة للإنسان كالحبكة المعلوماتية (« اللوجسييل ») بالنسبة للحاسوب؛ فلا يمكن لهذا الأخير أن يقوم إلا بما تمليه الحبكة التي أدخلت فيه وتمت برمجته وفقها. فما على أحدنا، إن هو أراد أن يغير ما بحاله إلى ما به يصلح ذاته ويسهم في إصلاح ما حوله، إلا أن يعمل على تغيير « الحبكة » التي بداخله، التي تملي عليه تصرفاته الاعتباطية اللامسؤولة، وتوجه حركاته إلى ما به يدمر ذاته وغيره وبلده. فعلى كل واحد منا أن يعمل على إعادة برمجة نفسه على أسس سليمة، وفق حبكات ذات مرجعيات أصلية أصيلة، تسمو بالعنصر البشري بعيدا عن أهوائه نزواته الصبيانية وتصرفاته الانتهازية الطفيلية. نعم، يجب على أحدنا إعادة برمجة نفسه وفق حبكة القيم الإنسانية السامية، قيم المجتمعات الراقية المتمثلة في الانضباط والتنظيم، ومعرفة الأفراد لواجباتهم وحقوقهم نحو أنفسهم ونحو بعضهم البعض، ونحو مجتمعاتهم.


