خلال 30 سنة مضت تغير المشهد الأسري والعائلي والاجتماعي تغيرا سلبيا مثيرا
« »خلال 30 سنة مضت تغير المشهد الأسري والعائلي والاجتماعي تغيرا سلبيا مثيرا » »
(الجزء الأول)
بداية، وحتى يتمكن الجميع، خاصة من تقل أعمارهم عن 35 سنة، الذين لا يسمح لهم سنهم بتكوين فكرة عن الأسرة والمجتمع فيما سبق، أي قبل أواسط التسعينات من القرن العشرين، فسأعمل على تقريب المشهد ما أمكن ممن عايشوه (ولم يعودوا يتذكرون صوره بجلاء)، ومن جاؤوا فيما بعد.
——————-
كانت الأسرة، وحدة المجتمعات البشرية، أسرة تقليدية (كلاسيكية)، كما يحلو للحداثيين نعتها وتصنيفها، بازدراء. الأسرة كان يسوس شؤونها الأساسية (يضع دستورها) الزوج، الرجل (الأب)؛ بينما الزوجة، المرأة (الأم) تصهر على تسيير الشؤون اليومية العامة، من خلال تنزيل بنود دستور البيت على أرض الواقع. فالزوجة في البيت، كالحكومة، تسهر على سير الشؤون اليومية للبيت بكل تفاصيلها. الزوج (الأب) يخطط للمدى القريب والبعيد، بحيث يعمل على تأمين متطلبات البيت لتأمين المواد الأساسية قدر المستطاع لمواجهة تقلبات الزمان.
الخطوط العريضة لتربية الأطفال هو الذي يضعها، خاصة بالنسبة للذكور، بينما المرأة تهتم بما تبقى من جوانب التربية، ليكتمل المشهد وتتوج مهمة التربية بنجاح. الرجل هو من يضع السياسة العامة للتعامل مع العائلة والأقارب (عائلته وعائلة زوجته…) ومع الجيران والأصدقاء، وهي سياسة تتسم بالتوازن الذي تمليه الحكمة التي تفرضها المفردات الفطرية في حياة الإسنان الجماعية. فصلة الأرحام (بالمعنى العام، يدخل فيها حتى الأصدقاء والجيران) لها شأن معتبر، إن لم يكن عظيما، يحس بأهميتها حتى الرجل (الأب) الأمي. فالبيت، ولو من دون « صالون »، مخصص لاستقبال الزوار، يعرف ديناميكية طبيعية من الزيارات المتبادلة بين الأقارب والأصحاب، وكذا إقامة بعض الولائم المصاحبة للزخم التواصلي، وهو ما يجعل من الإنسان إنسانا اجتماعيا بطبعه، كما هو معرف، فلسفيا. ومن بين التصرفات والمعاملات التي يصهر الرجل الزوج على وضع خطوطها العريضة والسهر عليها لضمان إدامة سلامة التواصل مع الأصحاب والجيران، أن تبقى المرأة (الزوجة) خارج دائرة علاقة الصداقة بين الرجال (الأصدقاء والجيران)، فالرجال يتعارفون فيما بينهم، بينما النساء فلهن دوائر تعارفهن غير تعارف الرجال. ومن التصرفات التي يسهر عليها الرجل، ألا يكون هناك فرق بينه (كأب) وبين زوجته (كأم) في نظر الأولاد، فحتى وإن اقتضى الحال أن يصل به الحد إلى تعنيف زوجته؛ فالأطفال يبقون على مسافة واحدة من والديهم، لا يفرقون بينهم، ويكنون لهم كل الاحترام.
الأب، الرجل، يعمل على تربية الأبناء (الذكور) تربية تكسبهم مفردات التصرفات الرجولية، من خلال ترويضهم على القيام ببعض المسؤوليات التي قد تبدو، للأم، غير مناسبة لأعمارهم. فهو يعلمهم تعلم الاعتماد على النفس وإيجاد الحلول لما قد يعترض طريقهم من منغصات. ضمن الخطوط العريضة لدستور الأسرة، تعمل المرأة (الزوجة الأم) على إنجاح ما يخططه له الأب، بحيث لا تتدخل في الجانب التربوي للأب، بل تحث الأبناء على طاعة أبيهم وتنفيذ ما يأمرهم به. قد يبدو الأب قاسيا، بعض الشيء، في تصرفه مع الأبناء (الذكور) لتأهيلهم لكي يصبحوا رجالا يعتمدون على أنفسهم ويعتمد عليهم، لكن الأم لا تتدخل في الأمر، بل تثير حماسة الأبناء في القيام بما هو مطلوب منهم القيام به من طرف أبيهم ليكبروا رجالا يعول عليهم في غياب أبيهم. الأم تعمل على تحبيب الأب لأبنائه حتى يكبروا عارفين بحقوق من سهروا على تربيتهم؛ كما أن الأب يسهر على أن يطيع الأبناء أمهم ويسمعوا لها، بحيث يبدو التنسيق بين الأب والأم بسلاسة وتلقائية، تصرفات تمليها الفطرة السليمة بانسيابية. ثم، إن قضية تربية الأطفال لا تنحصر فقط في الأب (والأم)، أي الأسرة، بل تتعدى ذلك إلى العائلة الكبيرة (الأعمام والأخوال)، وإلى الجيران فيما بينهم، بحيث يتعامل الجميع مع الأطفال كأنهم أبناءهم، وهو ما يجعل الجار يتدخل متى صدر من طفل، أو مجموعة من الأطفال، تصرف ما يوجب التصويب والنهي. فالجميع متفق، فطريا، على أن التربية قضية جماعية، فالأطفال يحسون بأنهم مراقبون في تصرفاتهم من الأقرباء ومن الجيران. ناهيك عن دور المدرسة، حينما كانت مهمة التعليم التربية السليمة قبل كل شيء، بحيث المعلم والأستاذ المربون كالآباء في بيوتهم، يقومون بنفس الدور في المؤسسة التعليمية؛ فرجل التعليم أب، قبل كل شيء.
من جانب آخر، فقد شكل تسيير الشؤون الأساسية للأسرة من طرف الرجل (الأب)، ضمانة وصمام الأمان لنجاح زواج البنات والأبناء واستقرار البيوت التي يتم وضع الحجر الأساس لبنائها، بحيث تتكاثف جهود أسرة (الأب) البنت (الزوجة)، وأسرة الولد (الزوج)، لتذليل الصعاب وكل ما قد يواجه الزوجين الشابين من مشاكل، في بداية الطريق، وأثناء المسير. المهم في الأمر أن البيت الذي تم تكوينه يحظى برعاية الأبوين (أب البنت وأب الولد)؛ فإذا ما حدث بعض الشنآن بين الزوجين، وبدأت الأمور تسوء يتدخل أب البنت أو أب الولد، أو الإثنين معا لإعادة الأمور إلى نصابها. ثم، قد تترك البنت (الزوجة) بيت زوجها وتأتي إلى بيت أبيها « غضبانة »، وهنا تكمن عدة سيناريوهات لاستقبالها من طرف أبيها، حسب نوع الخلاف والمشكل المطروح؛ فإما يتم إرجاعها إلى بيتها في الحين حتى لا تتطور الأمور وتسوء (خاصة إذا كان الأب يعلم أن ابنته هي التي « فيها الحق »)، وإما يتركها بضعة أيام « تبدل الجو » قبل أن يأمر برجوعها إلى بيتها (هنا الأب يعلم أن ابنته لا تصبر ولا تقدر تبعات تصرفاتها). وأما إذا كان الأب يعلم أن الزوج (زوج ابنته) هو المخطئ، فيسارع إلى الاتصال به، لإفهامه بحكمة أنه مخطئ، وأنه عليه المحافظة على بيته، وألا يقسو على زوجته حتى وإن أخطأت. المهم في الأمر، أنه تستنفذ كل وسائل الإصلاح بين الزوج وزجته، ومساعدتهما على تجاوز المشاكل التي قد تعترض طريقهما.
هذه باختصار الصورة والمشهد الجميل لما كانت عليه الأسرة والمجتمع، قبل أكثر من 30 سنة، من الآن. الأب (الرجل) يتحمل مسؤولية المهام التي تتطلب الحكمة وبعد النظر في التصرف، مع الزوجة والأبناء والبنات والأقرباء والجيران والأصحاب… إلا أنه، فيما بعد حدث، ما لم يكن في الحسبان، حدث زلزال مدمر، أجهز على كل ما هو جميل في الأسرة والمجتمع، فتصدعت العلاقات الأسرية والعائلية وكذا العلاقة مع الجيران والأصدقاء… وهذا ما سأتطرق له في الجزء الثاني من هذا المقال، إن شاء الله
يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

