الهدر التعليمي » » وليس « الهدر المدرسي » واضطراب أحوال المجتمع » »

مقتطف من كتاب « آليات صناعة التخلف، وقفة صريحة مع الذات » (من الصفحة 189 إلى 194)
« »الهــــدر التعليمـــــــي » » وليس « الهدر المدرسي » واضطراب أحوال المجتمع
فرق شاسع بين الهدر التعليمي المتمثل في تدريس التلاميذ ما لا يمكنهم استيعابه من مفاهيم ومن دون امتلاك آلة التواصل المتمثلة في اللغة وبين الهدر المدرسي المتمثل في انقطاع التلاميذ عن التمدرس كنتيجة حتمية للهدر التعليمي
« ……وقبل التعريج على ميدان الطب والصحة لمعايشة المرض العضال الذي ينهك جسد مجتمعنا وينخر قواه، وقبل أن أسدل الستار على المنظومة التربوية والتعليمية، فسأترككم مع مشهد من جريدة المغربية، عدد 7190، بقلم أحد رجال التعليم، تحت عنوان « الدروس الخصوصية… دعم أم استنزاف؟!
« لم تعد الدروس الخصوصية ظاهرة تعليمية كما دأبت على ذلك باعتبارها وسيلة لتدارك ضعف بعض التلاميذ في استيعاب الكم الهائل من المناهج، بل أصبحت ظاهرة تجارية تضرب عرض الحائط بأخلاقيات المرفق العام، وتمارس في البيوت وفي بعض المؤسسات الخاصة إلى غير ذلك من الأماكن، بغية حصول التلاميذ على نقط جيدة في المراقبة المستمرة أو معدلات مرتفعة في الامتحانات لولوج المدارس العليا.
إلا أنه في غياب تدابير زجرية ومراقبة صارمة لبعض الممارسات الشاذة، استشرت هذه الظاهرة المرضية في المجتمع المغربي، إذ تلجأ نوعية من المدرسين إلى « ابتزاز » التلاميذ وإرغامهم على الاستجابة لمطلب الدروس الخصوصية مقابل مبلغ مالي يشكل هاجسا حقيقيا بالنسبة لأولياء الأمور، فمن المسؤول عن هذه الظاهرة، وما دور السلطات الوصية على القطاع؟
وبالرغم أن الوزارة الوصية، أصدرت مذكرات في هذا الشأن إلى مصالحها الخارجية من أجل مراقبة وضبط هذه النوعية من الدروس التي تعتبر خارجة عن نطاق القانون والتشريعات المدرسية المعمول بها فهذه الدروس « الاستنزافية » تكاثرت وانتقلت عدواها إلى كل الأسلاك التعليمية بما فيها الابتدائي لدرجة أصبحت نوعا من التباهي بين الأسر، الشيء الذي حدا بالعديد من الأساتذة الإقبال عليها، مع العلم أن التعليم لم يكن أبدا مهنة بقدر ما هو رسالة تربوية نبيلة، يجب تأديتها بكل إخلاص وأمانة.
ومن هنا فهذه مرتبطة بتحول عميق في المجتمع على مستوى سلم القيم، فالوضع الاعتباري الذي كان عند رجل التعليم سابقا كحامل لرسالة تربوية لم يعد كذلك، إذ أن جل رجال التعليم الحاليين لم يختاروا ممارسة مهمة التربية والتعليم عن قناعة وحب، بل هناك منهم من يعتبرها مجرد رقم تأجير أو حل للتوظيف، وهو ما جعل الممارسات نتاج تحولات كبرى على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، حيث حلت القيم « النفعية » و »البرغماتية » محل قيم التضامن والتكافل من أجل المصلحة العامة. والتجارب أكدت أن ارتياد التلاميذ الدروس الخصوصية لا يؤثر إيجابا على نتائجهم، بل يجعلهم اتكاليين ويحد من محاولاتهم على الفهم والاستيعاب، والشيء الخطير في هذه الدروس أنها كثيرا ما ساهمت في انحراف العديد من التلاميذ، باعتبار أن حصص هذه الدروس لا يراقب فيها سلوك التلميذ ولا يسأل فيها عن أسباب غيابه، لأن المهم من هذه العملية هو أداء الواجب الشهري. كما أن ضعف مقدرة استيعاب التلميذ لدروسه تجعل لا مفر له من الدروس الخصوصية، علاوة على الكم الهائل من البرامج الدراسية التي يضطر المدرس لتلقينها في فترة زمنية محددة، بغض النظر عما إذا كان كل التلاميذ استوعبوا كنه الدروس أم لا.
فالمشكل ليس في الدروس الخصوصية لذاتها، بل فيما لهذه الأخيرة من سلبيات على تحصيل التلميذ داخل الفصل وعلى تركيزه على شرح المدرس، ذلك أن التلميذ يتوهم أنه لا يهم استيعابه للدرس في الفصل، مادام هناك فرصة أخرى « أي الدروس الخصوصية » للفهم أكثر، لكن ما يطرأ أن الظروف التي تحيط بعملية الدروس الخصوصية في غياب الضبط المدرسي تؤدي إلى وقوع الطامة الكبرى وبالتالي نصبح أمام تنشئة لا طموح لها ولا أفق.
فمن المسؤول إذن عن تفشي هذه الظاهرة؟ هل هم الآباء بسبب كثرة المشاغل وعدم تمكنهم من أسلوب تربوي يرغم أبناءهم على حسن الإصغاء والفهم؟ أم كثرة المواد الدراسية التي يشحن بها التلميذ، ويصبح غير قابل للمزيد، أو المدرس الذي يستغل هذا الاضطراب وتشتت أفكار التلميذ لاستدراجه إلى مقصلة الدروس الخصوصية؟ أم أن المسؤولية الكبرى تتحملها الوزارة المعنية، لأنها لم تفعل إجراءاتها وقوانينها من أجل ضبط هذه العملية وجعلها تربوية، عوض تحويلها إلى ظاهرة تجارية تباع وتشترى فيها القيم والأخلاق المهنية؟ » انتهى نص المقال المنقول
بل أقول، تجارة غُيِّبت فيها القيم والأخلاق المهنية، بل تجارة من وحي منظومة ثقافية منحطة وعقليات متخلفة، تجارة من ابتكار جماجم عشش فيها « البوبريص والرتيلة » (الزواحف والهوام). انحطاط وتخلف هيكلي في البنية الثقافية والحضارية والفكرية لمجتمع غرابي لم يعد أفراده يميزون بين ما يصلح أحوالهم وما يضر بها؛ يقول رجل التعليم، صاحب المقال أعلاه، أن الدروس الخصوصية أصبحت نوعا من التباهي بين الأسر، بحيث أصبح الإقبال عليها حتى في التعليم الابتدائي. فكما قلت، من قبل، في كتاب صرخة مغربي، فلقد أصبح التباهي عندنا منهج حياة (بل منهج ممات)، بحيث نستغل كل حدث، حتى مناسبة الموت، لنقول بلسان الحال « حتى احنا ولاد الأصل والمفصل، شوفوا على عينيكم وديوا ما تعاودوا ». هل بلغ الإحساس بالنقص وفقدان الثقة في النفس عند السواد الأعظم من أفراد المجتمع إلى هذا الحد المرضي من التباهي بكل شيء، أملا في إثبات الذات للآخر؟ فعلى وزن « تكلم أعرفك »، أقول « تصرف في حياتك أعرفك فأصنفك »، بل تصرفك في الحياة يكشفك ويكشف ما هو مكنون في أعماقك من اضطرابات وعقد وتعقيدات. يجري أحدنا (وكلنا أحدنا) ويلهث ويقاسي، يغش ويسرق ويرتشي ويبتدع كل سبل التحايل لنهب جيوب الآخرين ليجمع المال لكي يتمكن من التباهي أمام الآخرين، ولو كان عنده ذرة عقل سليم لتوصل إلى أن من يتباهى أمامهم، سيفعلون كما يفعل لجمع المال الوفير، ليردوا له الصاع صاعين… فيتحايل عليه من تحايل عليهم ليتباهوا عليه كما تباهى عليهم…
« هدرتك (كلامك) كولها نعم السِّي »، « اللي ما عندو فلوس كلامو مسوس » كما قالوا سيادنا اللوالى، فلم تعد إذن قيمة الكلمة ووزنها مقدّرا بصواب ما يقال وعمق التفكير وصواب الفكرة، بقدر ما هي مرتبطة بالفلوس، و »الله مع الجاه العالي »، و »اللي ما عندو سيدو عند للاه ». إنها أسوأ وصمة عار على جبين مجتمعنا تسبب فيها أبناؤه المثقفون وأشباه المثقفين الذين أضاعوا مشية آبائهم ولم يتعلموا مشية من أرادوا تعلم مشيتهم. كان المغاربة في القرون الأخيرة، رغم جهلهم وتأخرهم، يعيشون بسلاسة وهدوء واحترام متبادل، دونما تباهي وتفاخر وتعالي بعضهم على بعض، إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان. تعلم الأبناء فتعاظمت التطلعات لمستقبل واعد زاهر على كل المستويات، لكن بدل العمل على امتلاك آليات البناء والتشييد لنقل المجتمع نقلة نوعية نحو الحداثة الحقيقية والتحديث، فقد عملنا على اكتساب آليات التدمير الذاتي للمجتمع ونقله نحو حداثة فلكلورية غرابية مشوهة (من الحدث وليس التحديث)، افتقد فيها المغربي مقومات التحضر الحقيقية.
استطراد: « ولقد تفشت هذه الظاهرة أكثر، حينما أريد للمرأة أن تأخذ زمام الأمور في البيت الزوجي (الذي أصبح مهددا بالانقراض …)، فأصبح همها أن تثبت نفسها حتى على مستوى التباهي، ولو داخل العائلة، ولو بين الأخوات، ناهيك عن التباهي أمام زوجة الأخ (إن لم يتم قطع التواصل بينهم)… أمور تطرقت لها كذلك في كتاب « شاهدونا ونحن نخرب بيوتكم »
يتبــــــــــــــــــــــــع
