الداروينيــة والعلــــــــم والديــــــن
#الداروينيــة و#العلــــــــم و#الديــــــن
هل #التطور _الداروني كنظرية علمية مفترضة تتصادم مع الدين؟ والسؤال بطريقة أخرى: هل معارضتي للداروينية كنظرية علمية يتبناها الكثيرون يرجع إلى كونها تتعارض مع اعتقادي الديني؟ وبمعنى آخر، يبدو أنني أدعي اتباع المنهج العلمي في الاعتراض على الداروينية، بينما أنا أتعمد التنكر للحقائق العلمية التي تثبت تطور الأنواع البيولوجية، حيوانية ونباتية.
وقبل التطرق للجانب العلمي فيما يتعلق بالاعتراض على الداروينية، فسأتطرق بداية إلى الجانب الديني والذي يتم الزج به وإقحامه في الموضوع كلما تعلق الأمر بالاعتراض علميا على التطور الدارويني. فهل هناك تعارض بين ما هو علمي (حقيقة علمية)، وما هو ديني (غير مزور)؟ فهل من ينتقد الداروينية لضحالة البراهين العلمية أو ضعفها يعتبر غير علمي ويدخل في دائرة المتدينين الجهلة؟ فهل العلم نقيض الدين؟ وإذا لم يكن العلم نقيض الدين، فهل هذا معناه أن #القرآن كتاب علم يمكن الرجوع إليه لحل المسائل والإشكالات العلمية التي تعترض الباحثين؟ أسئلة تطرح نفسها لأنه حينما يتم التنكر للبراهين العلمية التي تدحض فكرة التطور الدارويني يتم اتهام المعارضين لها بأنهم ينطلقون من اعتقادات دينية تناقض العلم…
ومن دون الخوض في التفاصيل للرد على هذا المنطق، منطق الهروب إلى الأمام، أقول أن القرآن ليس كتاب علوم، يتطرق للمسائل الفيزيائية والكيميائية والرياضيات والمفاهيم الجيولوجية والبيولوجية وباقي العلوم، بل فيه إشارات علمية عامة تتعلق بالكثير من الظواهر الطبيعية والكونية وغيرها، لا يمكن حتى تصور تخيلها قبل أكثر من 14 قرنا من الزمن. هذه الإشارات في المصحف الكريم هي عبارة عن آيات، منها ما هو محكم (أي لا تحتمل إلا تفسيرا واحدا)، ومنها ما هو من المتشابهات (أي تحتمل تفاسير ومعاني كثيرة). فهناك، مثلا، آيات محكمات تتكلم عن الخلق، بحيث لا تحتمل إلا معنى واحدا؛ لكن هناك آيات أخرى تحتمل معاني كثيرة، بحيث لا يمكنها أن تتعارض مع المسائل والاكتشافات العلمية الكونية. فلو ثبتت الحقيقة العلمية للتطور الدارويني، فالآيات المتشابهات التالية تجعله لا يتعارض مع ما جاء في القرآن الكريم (مع المعتقد الديني)؛ فكل ما هو علمي صريح لا، ولن يتعارض مع الدين الإسلامي [(اقرأوا، إن شئتم للطبيب الفرنسي « موريس بوكاي » Maurice Bucaille )) كتابه « التوراة والإنجيل والقرآن والعلم « )]:
• قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُــــــــرُواْ كَيْـــــــــفَ بَــــــــــدَأَ ٱلْخَلْـــــــــــقَ ۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ (سورة العنكبوت)
• وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَــــأَكُـــــــم مِّــــــن ذُرِّيَّـــــــــــةِ قَــــــــــوْمٍ ءَاخَرِيــــــــــــــنَ (سورة الأنعام)
من دون الدخول في التفاصيل والخوض في حيثيات التفاسير، فسأتوقف في الآية الأولى عند « فانظــــــروا كيـــــف بــــدأ الخلــــــــــق ». فبغض النظر عن خاصية الخلق التي خص الله بها نفسه، فالأمر لن يطرح إشكالا جوهريا بالنسبة للداروينيين، بل يمثل مخرجا لهم ولو عاندوا، فلا أحد منهم (لا الداروينيون القدامى ولا الداروينيون الجدد) يجيب عن كيفية ظهور الحياة على وجه الأرض، فكلهم مجمعون على أنهم لا يدرون. إلا أنهم لا يستسلمون ويقفون عند هذه الحقيقة الدامغة، بل يطلقون العنان لخيالهم وتخيلاتهم، لاقتراح كل ما قد يتوهمونه بهذا الخصوص. فلقد طلعوا علينا في آخر المطاف، بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، بقرار الخروج إلى الفضاء الخارجي للبحث والتحري ليتوصلوا إلى أن هناك « حريرة » أو « حساء الحياة الأولي » على ظهر المذنبات » (soupe prébiotique cométaire) أو ما سموه كذلك « مرق زراعة الفضاء » (bouillons de culture spatiaux) وهو ما تسبب في ظهور الحياة على الأرض. سأعود لهذا الموضوع في هذا المقال، فيما بعد.
لنتوقف عند « كيــــف بــــدأ الخلـــــق »؛ بدأ الخلق معلوم من الدين، لكن لا شيء يمنع أنه بعد بدأ الخلق بدأ مسلسل التطور المفترض. نعم، فلو ثبت علميا أنه حدث ويحدث تطور الأنواع، كما يقول داروين والداروينيون، فلن يتصادم هذا أبدا مع ما في القرآن الكريم. فالله سبحانه أخبرنا أنه بدأ الخلق ولم يتكلم عن التطور لأن الآية تتسع لتفيدنا به ضمنيا، متى ثبت التطور علميا.
ثم، لنتوقف عند عبارة « كما أَنشَــــأَكُـــــــم مِّــــــن ذُرِّيَّـــــــــــةِ قَــــــــــوْمٍ ءَاخَرِيــــــنَ » في الآية الثانية، فــــ « ذريـــة قــــوم آخريـــــن » قد تعني ما يعنيه الداروينيون بخصوص السلف المشترك القريب « هومو سبيانس » (Homo Sapiens)، كما أن لـــ »هومو سبيانس » سلفا، وهكذا دواليك. فالإنشاء هنا، في الآية، قد يعني التطور، فإذن لو ثبت التطور الدارويني علميا، فلا مانع دينيا في الإقرار بها كنظرية علمية.
أوردت باختصار هذا التوضيح المقتضب الذي يبين بكل جلاء أن التطور الدارويني، لو ثبت أنه فعلا نظرية علمية (أي تؤيده البراهين العلمية المعتبرة)، فلن يتصادم أبدا مع القرآن الكريم، مع الدين الإسلامي، أي مع معتقد المسلم.
لنعد إلى قضية ورطة الداروينيين الكبرى فيما يتعلق بكيفية ظهور الحياة على وجه الأرض، فلقد استنفذوا كل التوهمات والتخيلات، بحيث ضاقت عليهم (وبهم) الأرض بما رحبت، فقرروا شد الرحال إلى الفضاء الخارجي لاستكمال تحري التوهمات، ليطلعوا علينا بنظرية « حريرة » أو « حساء الحياة الأولي » على ظهر المذنبات » (soupe prébiotique cométaire) أو ما سموه كذلك « مرق زراعة الفضاء » (bouillons de culture spatiaux) . استنفذوا كل تخيلاتهم التي لم تسعفهم، ليغوصوا أكثر في التخيلات التي تحولت إلى هلوسات مرضية. تمخض جبل الداروينية ليلد حريرة ومرقا لسقي الأرض، فهذا هو المنظور الدارويني السقيم لظهور الحياة على وجه الأرض، ليتكفل الانتخاب الطبيعي والصدفة بتطورها وتنوعها. فيا لها من هلوسة، يا لها من مصطلحات جوفاء، حمقاء، لها رنين وطنين « علماوي » (مصطلح شخصي)، توحي لسامعيها بأن أمر ظهور الحياة على وجه الأرض قد أصبح محسوما علميا، بحيث شكلت المذنبات نوعا من المركبات الفضائية « الآمنة » التي حملت الحياة (من أين؟) إلى الأرض على شكل « حريرة المذنبات » و »مرق الزراعة الفضائية « . عناصر وهمية، هلوسة ضرورية لإيجاد طبخة (طنجية) تسببت في ظهور الحياة وتطورها فيما بعد. فأين ولو ريحة العلم في هذا الهذيان الدارويني، ولو « ريحة الشحمة في الشاقور »، كما يقول المثل المغربي؟ فالأمر هنا أدهى وأمر من نظيره المتعلق بما يسمى بنظرية التطور.
ومن أغرب الطروح أن الحياة يمكنها أن تتحمل السقوط على كوكب الأرض من الفضاء الخارجي، بحيث يتعلق الأمر بنظرية، أو فرضية « التبذر الشامل » أو “البانسبرميا – Panspermia” ، والتي تفترض أن الحياة يمكنها أن تنتقل بشكل طبيعي (مركبات فضائية آمنة؟؟؟) بين الكواكب، انطلاقا من فكرة أن النيازك قصفت بعنف شديد الكواكب والأقمار التابعة لها في وقتٍ مبكر من وجود النظام الشمسي. ونتيجةً لهذا القصف العنيف تطايرت الكثير من المواد من تلك الكواكب وانتشرت في الفضاء. فهناك الكثير من الصخور المريخية وصلت إلى الأرض ولازالت تصل في وقتنا الحاضر، وانطلاقا من هذه الفرضية يقولون أنه « من المعقول جدًا بأن أشكال بدائية و بسيطة من الحياة كالخمائر أو البكتريا قد حُملت عليها ووصلت إلى الأرض ».
أقف عند هذا الحد من التخيلات والتوهمات، لأطرح السؤال الذي يفرض نفسه: أين رائحة العلم في هذا الهذيان؟ هل يمكن للهذيان أن يتحول إلى علم فقط لأنه صادر عن عالم أو عمن يحسب على العلماء؟ لنفترض أن « مرق الحياة » و »التبذر الشامل » جاءا من خارج الأرض، على ظهر النيازك، فكيف تكوّن هذا المرق وكيف تكونت هذه البذور؟ كيف لا يمكن للحياة أن تظهر على وجه الأرض، بينما يمكنها ذلك على ظهر المريخ (كما يدندنون)؟ غريب عجيب أمر هذا التفكير العلمي السقيم، الحياة ظهرت على ظهر كوكب غير قابل لتقبلها لتستغل تكون النيازك (المنفصلة عن المريخ) لتحملها إلى الأرض، الصالحة للحياة، حيث لم تتمكن من الظهور عليها. النيازك الحاملة لبذور الحياة تسبح في الفضاء الكوني، حيث الإشعاعات والأشعة المدمرة للحياة، وحينما تدخل الغلاف الجوي للأرض تحترق، فكيف إذن للحياة، التي نعرف، الهشة بطبعها، ألا تدمر خلال هجرتها من المريخ إلى الأرض؟ ثم، لو افترضنا أن مرق الحياة وبذورها تمكنت من الوصول إلى الأرض، فكيف لها أن تعطي الحياة في بيئة غريبة تماما عن البيئة التي تكونت فيها؟ أسئلة إلى ما لا نهاية، ولا أدنى جواب، عدى الاحتمالات والافتراضات والتخيلات والتوهمات…
وفي الأخير، لماذا كل هذا التشنج والعدوانية في مواجهة من يتبنون نظرية « التصميم الذكي »؟ هل من العلم أن يتم الدفاع عن العلم بالقهر ومنطق الدكتاتورية؟ تطورت العلوم إلى حد بعيد، لكن التطوريين الداروينيين لم يتطورا، فقد ظلوا قابضين بلحية داروين راكعين بين يديه. تطورت العلوم البيولوجية باكتشاف « انفجار الكامبري » الذي اقتلع شجرة الحياة الداروينية وقلبها رأسا على عقب، لكن الداروينيين أخفوا رؤوسهم في الرمل لكيلا يسمعوا ولا يشاهدوا ولا يتكلموا. ثم، سنة 1976 تم اكتشاف « التخليق الكيميائي » كأساس للحياة (حيوانات) في أعماق المحيطات، في مقابل « التخليق الضوئي » المعلوم فوق اليابسة وفي المياه السطحية للبحار، لكن الداروينيين قرروا الطيران إلى الفضاء الخارجي للبحث عن أصل الحياة فوق النيازك. ثم، مع ظهور تكنولوجيا « النانو » (مع بداية الألفية الثالثة)، تم اكتشاف حقيقة الخلية ككائن حي يعج ببلايين النانو روبوتات والآلات الجزئية الحية، عالم أعقد من المجرة، كما وصفه علماء مؤيدون لنظرية التصميم الذكي، لكن الداروينيين بلعوا ألسنتهم، بحيث لا أحد منهم يلتفت إلى هذا الاكتشاف المذهل الذي أحدث ثورة علمية مدوية في المفاهيم البيولوجية. وأنا أمر بهذا المنعرج، داهمني هذا السؤال المباشر للداروينيين، وللباحث « سفانتي بابو » الحاصل على جائزة نوبل في « الطب » لهذه السنة: هل الخلية التي تتحدى الخيال العلمي بتعقيداتها كعالم يعج بالحياة، تطورت أم لم تتطور؟ فإن تطورت، فأين هي الخلية البدائية، وكيف كانت، وكيف تطورت؟ وإذا لم تتطور الخلية، فكيف للكائنات الحية المكونة من الخلايا أن تتطور؟ ثم، كيف تم تطورت الحياة من خلية إلى كائن حي مكون من خليتين ثم ثلاثة ثم أربعة … وأين هي هذه الكائنات التي انحدرت من الخلية الأولى؟ وتستمر الأسئلة والتساؤلات إلى ما لا نهاية.
ثم هل هذه الحقائق العلمية لا يفهمها العقل العلمي ويستوعبها إلا من خلال التوهمات وهلوسات الداروينيين؟ هل إذا توصل العلم إلى هذه الحقائق المذهلة، ثم تمت نسبتها إلى خالق أو إلى » مصمم ذكي » عند من يتبنون، بعلم، نظرية « التصميم الذكي » بقوة المنطق العلمي السليم، يخرج من دائرة العلماء؟ هل الهلوسة والتوهمات من فهم العلماء، بينما التصميم الذكي من فهم الدينيين… ثم ما الذي يضر العلم إن توصل عالم إلى حقائق علمية، وفي الختام نسبها للتصميم الذكي، وآخر توصل إلى حقائق علمية، لكن في الختام لم يتوصل إلى أي نتيجة تحسم كنهها (أصلها، سببها…) فلم يجد بدا عن التخيلات والتوهمات والهلوسة؟ أيهما أذكى وأعقل واحتراما لعقله وعقول الآخرين؟ كيف للأول أن ينعت بالجاهل المتخلف، بينما الثاني ينعت بالعالم المتنور، وقد يفوز بجائزة نوبل على هذيانه… إنها فعلا مصيبة ورزية، كان الله في عون العلم والعلوم.
ثم ما معنى ظاهرة علمية؟ هل الظاهرة التي يكتشفها عالم يختم بحثه بالتخيلات والتوهمات تعرّف على أنها ظاهرة علمية، بينما إن اكتشفها عالم يختم بحثه بنسبتها إلى التصميم الذكي، أو آخر ينسبها إلى الخالق، لا تعد ظاهرة علمية؟ ما الذي يضر إن كان هذا عالم يؤمن بتخيلاته قصد شرح ظاهرة ما، وعالم يشرح الظاهرة بنسبتها للتصميم الذكي؟ أم أن الأمر يتعلق بتبعات وتوظيف كل طرح؟ فالطرح الدارويني أسس لأيديولوجية البقاء والاستعلاء للأقوى والذل والفناء للضعيف، الذي لا يصلح للبقاء؛ القوي يأكل الضعيف ولا يبالي لأنه لا قيمة ولا قدسية للإنسان، للقرد المتطور. أما الطرح الثاني فيحفظ للإنسان قيمته كإنسان، قويا كان أم ضعيفا، أبيض كان أو أسود…
أختم بما قعّدت له في بداية المقال، بأن كل ما هو علمي صريح لا يصطدم مع الدين، مع القرآن. فلو ثبت التطور الدارويني علميا، فلن يتعارض مع ما في القرآن الكريم، وقد وضحت هذا من خلال آيتين متباينتين. اثبتوا لي التطور كحقيقة علمية، بعيدا عن التخيلات والتوهمات، وسأكون أول المدافعين عنه. فلست ممن لا يحترم عقله وعقول الآخرين، فالتطور، له ما يؤيده في القرآن الكريم، إن ثبتت حقيقته العلمية، فكفى من الدجل الدارويني، فقلد تطورت العلوم البيولوجية إلى حد بعيد بعد داروين. تعملون على إثبات التطور الدارويني وتتنكرون للتطور العلمي…
