عبارات خاطئة نرددها أتوماتيكيا، قولا وكتابة ولا نبالي
عبارات خاطئة نرددها أتوماتيكيا، قولا وكتابة ولا نبالي
فكما أوضحت في كتاب « آليات صناعة التخلف »، أن انحطاط المنظومة التعليمية عندنا وعلى صعيد العالم العربي، بدأ يتجلى بوضوح في كلامنا وحتى على مستوى علامات السير في الطرقات. ومن دون الخوض في الكثير من الحيثيات، إليكم بعض الأمثلة:
- عبارة « » في حالة لا يرثى لها » » ……. أدخلت « لا » على العبارة « »في حالة يرثى لها » » فتم إبطال الجمال البلاغي فيها وتعطيل معناها وتشويهه.
- علامة السير « »خفف السيـــــر » » والتي يقصد بها في الحقيقة « خفـــــــض من السرعـــــة »… لأن « خفف السير » تعني، فيما تعنيه حقيقة « أسرع »… فكم من مرة أردت أن أمزح فأسرع حينما أرى « خفف السير » بدلا من أخفض من السرعة، حتى وإن اقتضى الحال أن تسجل في حقي مخالفة سير، لكنني لم أفعل لحد الآن…
- علامة « »سكـــة الترامــــــواي » » وهنا لا بد من تحليل معنى هذه العبارة: « الترامواي » بالإنجليزية تعني « سكة الترام »، فهذا القطار « الحضري » اسمه « الترام »، و »واي » تعني السكة… ونتيجة لتفشي الأمية أصبحنا نكتب على علامة الترام وسكته « سكة سكة الترام »، بحيث أصبح « للــترام » سكتين: سكة الترام وسكة وسكة الترام … نرددها قولا وكتابة ولا حرج.
- مصطلح « »خارطــــــة » »؛ بحيث يتم ترديد « خارطة الطريق » و »الخارطة الجيولوجية »… فبدلا من كلمة « خريطــــــة » (carte) أصبحنا نردد كلمة « خارطــــــة » والتي تعني « الكاذبة »، و »الدابة الجامحة »، الخ.
- المصطلح الدارجي « وخّ » (عندنا في المغرب)، يعني الناطق بها « نعم »، « متفق معك »، « متفقين »،… وحتى لا أطيل سأسرد قصة أوردتها في كتاب « آليات صناعة التخلف » (مقتطفة من هذا الكتاب)، حيث تقول النكتة (أو الحقيقة؟) أن فرنسيا مسنا عاد إلى بلاده بعدما قضى بالمغرب عمرا طويلا، خلال فترة الاستعمار وفيما بعد، في عهد الاستقلال. وعند عودته إلى فرنسا طلب منه أحد الصحفيين الفرنسيين أن يعرف له المغربي في كلمتين فقط، فأجابه أنه سيعرفه له في كلمة واحدة مكونة من حرفين لا أكثر. قال للصحافي أنه عندما ذهب إلى المغرب لأول مرة، وكان يجتمع بمسؤول ما أو أي أحد من أفراد المجتمع، ويتفقون على أمر ما، كان يقال له « وخّ« ، « داكور » (d’accord)، وهو الأمر الذي جعله يظن يقينا أن « وخ » تعني « داكور« . لكن مع مرور الوقت، يقول أنه اكتشف أن « وخ » لا تعني شيئا، لأن لا أحد يلتزم بما قطعه على نفسه بقوله « وخّ« ، « داكور« . يقول أنه كان محظوظا حينما تمكن من تعلم اللغة العربية حتى الإتقان، وهو الأمر الذي شجعه على البحث، كما قال، في أصل كلمة « وخ »، فتوصل إلى أنها مركبة من حرفي البداية لكلمتين دارجتين أخريتين، هما: « والو« ، « خاوي« ؛ وعليه فإن « وخ » تعني « و » والو ، و « خ » خاوي. قال للصحافي، هذا هو تعريفي للمغربي في كلمة من حرفين فقط: « وخ« .
فسواء أكانت هذه القصة حقيقية كما قيل لي، أو مجرد نكتة، فهي ذات وقع شديد على النفس وعلى الوجدان عند من تعود أن يسمع « وخ » يوميا وهي لا تعني شيئا، لأن حمولتها الثقافية جد مؤلمة، يصعب على كل من يحترم نفسه كإنسان تحملها أو تقبلها. لكن، إن نحن أردنا أن ننظر إلى حالنا بعين النقد البناء، لا بعين الرضا عن النفس، واستحسان ما لا يستحسن، فإنها الحقيقة المرة الناطقة بالواقع الأليم. إن « وخّ » عنوان لثقافة لا تعرف للمواعيد والالتزام بالكلمة التي قطعها أحدنا على نفسه (العهد) سبيلا، ثقافة لا تعطي لعامل الوقت أية قيمة ولا أية أهمية، ثقافة لا تنضبط لضابط الوقت في كل مناحي الحياة اليومية، ثقافة لا يضبطها أي ضابط. ينتهي كل لقاء باتفاق فلا تسمع إلا « وخ نعم اس« ، وخ اس« ، « وخ أسيدي« ، « وخ ألحبيب »، « وخ ألعزيز،… »؛ لكن، ما أن يذهب كل واحد إلى حال سبيله حتى تذهب « وخ » (نعم) أدراج الرياح، فلا « وخ » ولا هم يحزنون، فلا يبقى إلا « و » والو و « خ » خاوي.
أما في الجانب العلمي، بخصوص ما يدرس في مؤسساتنا التعليمية، فحدث ولا حرج (أمور تطرقت لها من قبل). وكمثال على هذه التشوهات أن « البازلت » هو من يدفع الصفائح لتبتعد بعضها عن بعض، ويا لها من كارثة علمية بكل المقاييس، من حيث الفهم السليم للمفاهيم الجيولوجية الأساسية، ولـــ » منظومة » الحيولوجيا ككل…
هذه بعض البراهين على تفشي الأمية حتى بين حاملي الشهادات الجامعية، فلنعد النظر، أفرادا ومجتمعات ودول (عربية) فيما آلت إليه أحوالنا.
لخلوفي عبد الله
جامعة محمد الخامس




