آليات صناعة التخلف – من السنن الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير أن من لا يتقدم يتأخر
مقتطفات من كتاب « آليات صناعة التخلف، وقفة صريحة مع الذات »
من السنن الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير أن من لا يتقدم يتأخر، ومن تعوزه آليات صناعة التقدم وابتكار آلياته فلأنه تقدَّمَ في صناعة التخلف وآليات صناعته. فمن وراء التأخر والانحطاط أنماط سلوكية تصنعه وتعيد صنع آلياته كما أن وراء التقدم والازدهار أنماط سلوكية تصنعه وتعيد صنع آلياته. فالأنماط السلوكية التي تحكم تصرفات أفراد أي مجتمع هي التي تحكم توجهات هذا المجتمع وتوجهه، إما الوجهة السليمة أو الخاطئة، توجهه للترقي في مدارج الرقي أو للتدني في انحدارات ومنحدرات التأخر والانحطاط. والأنماط السلوكية السائدة في أي مجتمع تمليها عقليات أفراده، فهي إما أن تكون راقية متحضرة وحق لهذا المجتمع أن يتقدم ويزدهر، وإما أن تكون متردية متخلفة، فلا مناص إذا لهذا المجتمع من أن ينحط ويتأخر.
وإذا كان للسلوكيات هذا القدر الخطير من المسؤولية وهذه السطوة في تقرير مصير المجتمعات والشعوب، يصبح من الواجب اللازم على كل فرد من أفراد أي مجتمع، يطمح للخروج من براثن التخلف والانحطاط، أن يبادر، كل من موقعه وحسب مؤهلاته الفكرية والمعرفية، إلى التعرف عن الأنماط السلوكية الضارة، المضرة ليتلافاها ويتجنبها. فما هي الأنماط السلوكية التي يمكن أن تؤخذ كمؤشر حقيقي على تأخر مجتمع ما أو تقدمه؟ هل هناك من سلوكيات بمواصفات خاصة للتأشير عن المنحى الذي قد يأخذه مجتمع ما لازال في بداية طريقه، يتلمس سبل التقدم والرقي؟
وللإجابة أقول ما يقوله المثل الفرنسي « من يسرق بيضة يسرق ثورا » (qui vole un œuf vole un bœuf)، فمن يستعمل المنبه الصوتي ليلا بالأحياء السكنية ويلقي ما بيده، مما لم يعد صالحا، على قارعة الطريق ولا يحترم مواعيده والتزاماته ويغش في عمله، ويغش في تعلمه… فهذا النوع من الأفراد لن يتوارى عن فعل ما هو أكبر ولن تكون لسلوكياته المضرة حدودا تحدها. فهذه السلوكيات وإن تنوعت وتعددت أوجهها فهي تمثل وجهين لعملة واحدة، أو إن شئتم فروعا وأغصانا لشجرة واحدة، مريضة، جذورها ضاربة في تربة ضحلة فاسدة. فحتى وإن تنوعت تجليات الأنماط السلوكية في مجتمع ما فهي تجتمع في قاسم مشترك، بحيث تبقى متجانسة فيما بينها متكاملة ومتعاضدة. فالنمط السلوكي الذي يعير للوقت كل الحرص والاهتمام لن يجمعه أي قاسم مشترك مع النمط السلوكي الذي لا يعير لقانون السير أي اهتمام، ولا يلقي لمشكل النفايات الفردية والمنزلية بال. فمتى وقفت على نمط سلوكي متحضر في بلد ما، فاعلم أن صفة التحضر تمثل القاسم المشترك الذي يجمعه قطعا مع باقي الأنماط السلوكية الاجتماعية، واعلم يقينا أن هذا البلد متقدم مزدهر أو أنه وجد طريقه الواضح والقصير إلى ذلك.
على ضوء ما تم التقعيد له، فلا يسعني كمغربي إلا أن أدعو من يقاسمونني هذا الانتماء الجغرافي والحضاري والثقافي إلى وقفة صريحة مع ذواتنا كأفراد، وذاتنا كجسد مغربي، لنكاشف أنفسنا ونصارحها بخصوص ما تبنيناه وتعودناه من أنماط سلوكية لا تليق بنا كشعب ضاربة جذور حضارته الإنسانية المتألقة في أعماق التاريخ الإسلامي لهذه الأمة.

