مجتمع بمنظومة صحية مريضة، متهالكة
مجتمع بمنظومة صحية مريضة، متهالكة 
تابــــــــــع مقتطف من كتاب « »آليات صناعة التخلف، وقفة صريحة مع الذات » » الذي أصدرته في 2010
———————————————————————————-
وقبل نشر المقتطف، إليكم هذه التوطئة من خلال هذا المشهد، مقطع فيديو، على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، يوثق لحالة من الإهمال والاستهتار بأبجديات ضوابط العمل والقيام بالمهام بالمستشفيات، وذلك يوم 26 مارس، 2022 بمدينة تاوريرت. يتعلق الأمر بشخص توفي في حادثة سير، نقل على إثرها #المستشفى الجهوي بالمدينة (بأية وسيلة؟ لا أدري…)، قبل الفجر (الصباح الباكر)، لكن جثمانه ظل ملقى على الأرض أمام باب #المستعجلات إلى حدود الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة (من دون أن يتم فتح الباب لإدخاله إلى ثلاجة الموتى حتى لا يتعفن)، وهو ما دفع بأفراد أسرته، وكذا قبيلته، بنقل الجثمان إلى أمام مقر العمالة، في #مسيرة جماهيرية للاحتجاج على ما حصل، وهو أمر يستحق #الاحتجاج فعلا ليصل الصدى إلى من يمهم الأمر فيعملوا على التصدي لمثل هذه التصرفات والخروقات البئيسة. ومن بين ما أدلى به شخصين، منعزلين، من بين المحتجين أن امرأة من أقرباء الهالك تأثرت بالموت المفاجئ وكذا حالة الجثمان الملقى على الأرض فانحنت عليه فلم تقم، لتلحق به، حيث توفيت نتيجة ما داهمها من مصائب… وأن زوجته أغمي عليها… الفيديو على وسائل الاجتماعي… والمهم في الأمر هو هذا الحد المخيف من الاستهتار بالمسؤوليات من طرف #المسؤول على المستشفى (حتى لو قيل أنه لم يعلم بالأمر، فلا عذر له، فلو كان متحملا لمسؤوليته كما يجب لقام كل واحد، ممن هم في المستشفى، بواجبه، كما ينبغي، حتى وإن كان على بعد آلاف الكيلومترات عن المغرب)، هذه اللامبالاة الخطيرة، هذا الفلتان الخطير للأمن الصحي للمغاربة وكذا الأمن الوطني بسبب خلق الظروف االمواتيةلمهيجة للاحتجاجات. وحتى لا أطيل بهذا الخصوص، أقول أن مثل هذه الأمور (وضع جثة في ثلاجة حفظ الموتى وغيرها من التدخلات التقنية اليومية) لا تتطلب إمكانيات مادية ولوجستية ليس من الممكن دائما توفيرها، بل تتطلب فقط أن يتحمل كل واحد مسؤوليته كما يفترض… لا أدري ما الذي حصل لنا حتى أصبحنا عبارة عن جثث تمشي على الأرض، لنا أعين لا نبصر بها (لكن نحسن استعمالها في « التبركيك ») وعقول معطلة (لكن نحسن استعمالها في « التاحرميات » و »التخلويض »)، وآذان لا نحسن استعمالها إلا « في التجسس بعضنا على بعض… شعوب بهذه المواصفات حق عليها الدمار والزوال، في عالم يأكل فيه القوي الضعيف… « انتهت التوطئة »
———————————————————————————–
مجتمع بمنظومة صحية مريضة
حداثة #فلكلورية، غرابية، مشوهة، أفقدتنا مقومات #التحضر الحقيقية، فضيعنا كل شيء، لنصبح مفلسين على كل المستويات. فعلى غرار #المنظومة_التربوية والتعليمية المختلة# اختلالات عميقة جدا، فــ #المنظومة_الصحية للبلاد تفاقمت أوضاعها وأحوالها إلى حد بعيد، هي كذلك. وللبرهنة على مدى مصداقية هذا الحكم القاسي، فما علينا إلا أن نستعمل آلة جس نبض أحوال هذه المنظومة المتمثلة في المعاناة اليومية للمواطنين.
لننظر إلى ما آل إليه تأطير #البحث_العلمي في جامعاتنا من تردي وانتكاسة من خلال التعريج على ميدان #الطب ومنظومة #الصحة كمثال. فكما هو معلوم، عُرف المغرب بحنكة أطبائه وكفاءة أساتذته في الطب، وهم الذين تكونوا على أيدي الفرنسيين بداية وعلى أيادي مغربية قبل وقتنا الحاضر، بفضل التأطير الجيد الذي استفادوا منه. فماذا سيكون عليه حالنا مستقبلا، بعدما ترك #الطلبة لحالهم ينتظرون أن يجود عليهم بالحضور من يفترض فيهم العمل على تأطيرهم بتفان وإخلاص وبعد نظر؟ أخذنا المشعل العلمي في كل الميادين ممن استعمرونا، كما أخذوه هم من أجدادنا كما سنرى، فممن سيأخذه شبابنا، رجال الغد إن لم يكن من أيدينا؟ هل حصولنا على الشهادات العليا التي خولت لنا أن نصبح #أساتذة_باحثين مثلا، هو فقط بغرض ولوج مسارات معبدة للجري وراء #المصالح_الشخصية الضيقة، وحتى من دون ضوابط ولا ثوابت ولا مرجعيات خلقية؟ يقول المثل العربي القيم « غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون »، ها نحن نأكل مما غرس فماذا نغرس لمن سيأتي؟ طبعا هناك أجوبة جاهزة لا تترك أي مجال للنقاش المفيد، من قبيل انعدام الظروف المواتية للعمل، وانعدام الإمكانيات وغياب المراقبة وما إلى ذلك من الأسباب، لكن بالنظر لمنظومتنا الثقافية وعقلياتنا، فحتى وإن انتفت هذه الأسباب لبحثنا على أسباب أخرى لنعتذر بها عن القيام بواجبنا كما يجب.
كنت مع زميل لي في انتظار اجتماع للأساتذة المشرفين على تكوين طلبة « الليسانس » التطبيقية (Licence Appliquée) بكلية العلوم، فقلت له في سياق الكلام « كنا نقول في السبعينات من القرن الماضي، ونحن تلاميذ بالتعليم الثانوي، حينما سيصل أولاد الشعب ويأخذوا بزمام الأمور في كل الميادين سيصبح المغرب جنة، لكن مع الأسف حينما وصلنا أتينا على الأخضر واليابس كالجراد، كما يقال ». لم يتقبل زميلي كلامي دونما تعليق، فأجابني « أننا نعمل على قدر الفتات الذي يعطى لنا ». لم أتقبل كلامه أنا كذلك، فكان سؤالي « هل الطلبة الذين نكونهم هم من يعطوننا الفتاة؟ فرق كبير بين القيام بالواجب والدفاع عن الحق، فلنقم بواجباتنا على أحسن وجه ولا نتنازل على حقوقنا، وأنا متيقن أنه لن ينازعنا فيها آنذاك أحد. لكن أن نعرض أنفسنا للازدراء والتشنيع داخل المجتمع بسبب أفعال بعضنا الغير مسؤولة، ثم نتباكى على حالنا (وحال الجامعة) فهذا لا يليق بنا كأساتذة جامعية. هناك فعلا دعاية مغرضة، غير بريئة، تسمم الأجواء، لكن كما يقال « ليس هناك دخان من دون نار ». لنعد إلى جوهر الموضوع، لتقصي أحوال منظومتنا الصحية والطبية.
بالرغم مما أصاب المنظومة الصحية للبلاد من اختلالات مخلة بأبجدياتها على كل الأصعدة، وخصوصا فيما يتعلق بأخلاقيات المهنة، فالمعوًّل عليه أن يبقى تكوين الأطباء وتأطيرهم خارج دائرة هذه الاختلالات حتى لا تكتمل الدورة، فنصبح ندور في حلقة مفرغة من الرداءة. لقد تطرقت بإسهاب لما تعرفه المنظومة التعليمية من اختلالات في كتاب صرخة مغربي ومدى تأثيرها على باقي الميادين والقطاعات بما فيها منظومة الصحة المريضة، التي لم أتوقف على عللها بما تستحق من اهتمام، لحد الآن. وعليه سأورد هنا بعد الأمثلة لمعرفة مدى الانحطاط الذي بلغته أخلاقيات المهنة، عند الكثير من الأطباء الذين أصبحوا لا يرون فيمن يدخل عليهم في عيادتهم أو مصحتهم إلا ذلك القدر المالي المعلوم الذي سيضاف إلى حسابهم البنكي. ومن أجل ذلك فهم مستعدون لكل الحيل وبكل الوسائل للإيقاع بمن أوصلته قدماه عندهم في المصيدة المعدة له. وحتى يعلم القارئ أنني لا أعمل على تسويد المشاهد التي أنقلها بالإكثار من الأسود القاتم وأنا أصبغ اللوحات التي أقدمها بين يديه، فسأحيله على مشاهد من ملفات الأسبوع لجريدة الصباح المغربية، عدد 2652، خصصته لموضوع الصحة تحت عنوان:
« مصحات خاصة خارجة عن القانون، استنزاف جيوب الزبناء وحساباتهم البنكية واستهتار بأرواح المرضى وسرقة مستحقات الدولة ».
كنت قد عزمت على نقل كل مشاهد الملف المروعة، لكنني قررت في الأخير التوقف عند الديباجة التي تم بها التقديم له، ونقل مشهد مثير واحد، نزولا عند حكمة « ما قل ودل » و »كفاني فيك يكفوني » و »إذا ظهر السبب بطل العجب »، ولأنها جمعت عناوين كل الصور المثيرة في هذه المشاهد. ومما جاء في هذه الديباجة:
« …الرجل الذي اعترف يوما بأنه لا يعرف عدد مديريات وزارته التي التحق بها في إطار صفقة التناوب التوافقي، كان يعرف أن لوبيا بأذرع كبيرة « عشش » في قطاع الصحة منذ سنوات وفرض خرائط طريقه على الجميع وصاغ قوانينه الخاصة التي توفر الحماية لبعض تجاوزاته و دوسه قسم أبوقراط وأخلاقيات مهنة الطب الشريفة، وفي كل مرة يشهر ورقة « الأزمة » الضاربة في القطاع الصحي العمومي، ولولا خدماته الصحية « الجليلة » لانهار كل شيء. ونعلن منذ البداية، أن تخصيص الملف الأسبوعي للمؤسسات الصحية الخاصة لا يحتمل أي تعميم مجاني ومتجني أو تطبيقا حرفيا لمثال « حوتة وحدة كتخنز شواري »، لكنه سيفتح بالتأكيد جروحا غائرة لم تندمل لدى عدد من الأسر والعائلات والمرضى، قصدوا في وقت من الأوقات، بعض هذه المصحات من أجل طلب العلاج فوجدوا أنفسهم في دوامة خروقات لا أول لها ولا آخر، تبدأ من استنزاف جيوب الزبناء وحساباتهم البنكية وتمر بالاستهتار بأرواح المرضى وتحويل الخطأ الطبي المفضي إلى الموت إلى قاعدة شرطية ولا ينتهي عند سرقة رزق الدولة ومستحقاتها، عبر التملص الضريبي و »سرقة » المرضى من المستشفيات العمومية بتواطؤ مع عدد من الأساتذة الباحثين، المستفيدين من امتياز « ت.ب.أ » (؟) بالمقلوب، وأصحاب سيارات الإسعاف الخاصة. مازال الجميع يتذكر قصصا فظيعة دخل فيها المرضى على أرجلهم إلى مصحات تحمل نجوم الفنادق، فخرجوا في مآثم معزين ودموع وأصوات نحيب، أما من حالفهم الحظ « وطول الله » في أعمارهم، فتتكلف سيارات الإسعاف الخاصة بإيصالهم إلى أقرب مستشفى عمومي بعد أن تكون موظفة الاستقبال تكلفت بإسماع ذويه تلك العبارة الغارقة في اليأس « ديروا رجاكم في الله ». الملف التالي تجميع لبعض شكايات المواطنين لم يعودوا يميزون بين بعض المصحات الخاصة وبين مستودعات الموت، وفيه نرصد أساليب الاستثمار المربح في أمراض الناس وآلامهم .. « .
أما المشهد الذي اخترته فقد جاء فيه: « يعجز بعض أطباء القطاع الخاص عن النظر إلى المرضى بعين الإنسانية، ويتحول ألم وعجز هؤلاء أمام المعالجين المفترضين إلى عملية حسابية محضة، لا مجال للخسارة المالية فيها حتى لو خسر المريض في المقابل حياته. وهي العملية نفسها التي أسالت لعاب، ليس فقط بعض أطباء القطاع الخاص، بل أغرت بعض أطباء المستشفيات العمومية. فإن كانت القاعدة تلزم هؤلاء بقضاء أوقات مداوماتهم الطويلة في المستشفيات وإلى جانب مرضى الحاجة، فإن أغلبهم يختار المداومة في المصحات الخاصة، وإلى جانب المريض الذي يدفع عن ذلك أموالا طائلة، حتى ولو تم ذلك على حساب مريض أكثر وألح حاجة إلى معالجه.
ولا يستبيح المتورطون في مثل هذه السلوكيات حياة مرضى الفقراء وحسب، بل يفتحون أبواب تجارة موازية، وعوض أن يكتفوا بما يرد على المصحات التي يشتغلون لحسابها، يلجؤون إلى دفع أسرة المريض إلى هوة المصحة، يحاولون إقناعها أن إمكانيات المستشفى العمومي، حيث يرقد القريب محدودة، وأن معدات وحداته الطبية لا تفي بالغرض، وترفع نسبة الخطر على حياته، وبالطريقة الهادئة نفسها التي يحقنون فيها المرضى بالأمصال، يحقنون أسرهم باليأس، ويزرعون الشك والغموض في رؤوسهم. يوصدون كل أبواب الأمل في وجودهم، ويفتحون باب اختيارين اثنين لا ثالث لهما، أولهما تدبر مبالغ عملية جراحية في المصحة الخاصة التي يشتغل لصالحها الطبيب، وثانيهما إجراؤها في المستشفى العمومي في شروط يصفونها بالمتدنية والمهددة لحياة المريض، وهو ما يدفع الأسرة إلى الارتماء في أحضان القروض والسلفات اعتقادا منها أنها تنقذ حياة مريضها، في الوقت الذي كان يمكن فيه إجراء العملية الجراحية في المستشفى العمومي بتكلفة أقل وربما بالمجان.
ووجد بعض هؤلاء الأطباء وسيلة أكثر نجاعة لتهريب مرضى المستشفيات العمومية إلى الخاصة، إذ بعد أن يزجوا بعائلات المرضى في دائرة اليأس والإحباط، يتركون بصيصا صغيرا من الأمل، ويدعون الشفقة والرأفة، فيؤكدون لضحاياهم أن بإمكانهم مساعدتهم على تكلفة العلاج المرتفعة في المصحات الخاصة، وذلك بإعفائهم من تكاليف ومصاريف العلاجات الموالية للعملية الجراحية، فيؤكدون أنه بعد إجراء العملية سيساعدون عائلة المريض على نقله من جديد إلى المستشفى العمومي من أجل متابعة العلاج بالمجان، وهي صفقة وهمية تجدها حتى عائلات المرضى مربحة جدا.
وإن كان بعض الأطباء المتورطين في مثل هذه الصفقات المشبوهة يتولون بأنفسهم مهمة إقناع ضحاياهم، فإن آخرين صنعوا لأنفسهم سوقا وسماسرة ومساعدين، لكل واحد منهم نصيبه.
الأمر لا يتوقف عند مجرد تهريب المرضى إلى المصحات الخاصة، بل قد يتعداه إلى إجراء عمليات غير ضرورية للمريض. وحتى في الحالات الأقل ضررا يضطر هؤلاء الأطباء إلى منح المصحة كل أوقاتهم ويقتصر وجودهم في المستشفيات العمومية على التعليمات. إذ يوجهون إلى الأطباء المساعدين، خاصة المقيمين الذين يكون مصيرهم المهني بين يدي هؤلاء الأطباء، تعليمات عبر الهاتف، وقد يضطر بعض هؤلاء المساعدين إلى التدخل من تلقاء أنفسهم تجنبا لإزعاج البروفسور وبالتالي تحاشي غضبه وسخطه، إذ قد ينعكس ذلك على النقطة التي سيمنحها لهم ».
يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــع
