من خلال معاهدة « سايكس بيكو » Sykes-Picot مزقوا بلداننــــا ودمروا شعوبنــــا ونهبوا خيراتنــــا،… والآن يمزقون الممزق ويدمرون المدمر
من خلال معاهدة « سايكس بيكو » Sykes-Picot مزقوا بلداننــــا ودمروا شعوبنــــا ونهبوا خيراتنــــا،… والآن يمزقون الممزق ويدمرون المدمر
—————————————————————————————————-
من الخرطوم إلى مليلية.. شهادة على أن الحضــــــــارة الغربيـــــــة تتهــــــــــاوى، فلم تكن يوما قادرة على قيادة البشرية إلى بر الأمـــــــــــــــان.
من الخرطوم (السودان)، البلد الذي يمكن أن يصبح سلة غذاء العالم « العربي » (متى صلحت أحوال هذا العالم)، إلى مليلية المغربية المستعمرة في شمال شرق المغرب، شباب ضائع تائه يبحثون عن لقمة عيش لهم ولذويهم ومن يعولونهم. بداية، أوضح أنني أستعمل مسمى « العربي » (المصطلح الذي أصبح فارضا وجوده) نزولا عند مخرجات أيديولوجية القومجيين العرب، التي أسس لها المسيحي « ميشيل عفلق »، والتي نظر لها وبرمجها من أسسوا لاتفاقية « سايس بيكو » الماكرة المدمرة. أيديولوجية القومية العربية التي أدت إلى شرذمة العالم الإسلامي وتفكيكه إلى دويلات في انتظار تشظيها أكثر عندما تترعرع أيديولوجية القوميات المقيتة، وهو ما يحصل الآن. فليس في الإسلام عربي وكردي وأمازيغي و… بل أمة تذوب فيها كل العرقيات ولا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى (أي درجة التزامه بما شرع الله ليصلح أحواله وأحوال البشرية جمعاء…لا فرق بين مسلم ومسيحي ويهودي من حيث الحقوق والواجبات، أمام العدل يتساوى الجميع).
شباب سوداني، ومن كل إفريقيا، تائهون هائمون على وجوههم كنتيجة حتمية لمخرجات اتفاقية سايس بيكو واتفاقيات أخرى، استهدفت القارة الإفريقية والشرق الأوسط بالتمزيق. اتفاقيات قننوا لأنفسهم من خلالها الاستحواذ ونهب خيرات العالم « العربي » وإفريقيا، وهو ما أدى حتميا إلى تجويع شباب هذه البلدان بدرجات متفاوتة، مما أدى إلى تشريدهم. وبالموازاة مع هذه الاتفاقية وأخواتها، تم زرع بذور القوميات السامة قصد التدمير الذاتي للبلدان المنهوبة خيراتها، على المدى المتوسط والبعيد. نعم، لقد تمت برمجة التدمير الذاتي، من خلال أيديولوجية القومية، ليضمن الناهبون (« السايسبكيون ») لخيرات هذه البلدان الاستمرار في النهب؛ بل ليضمنوا، كذلك، الاستمرار في الاعتماد عليهم من طرف فريق من المنهوبين ضد فريق آخر (من قومية أخرى) … ذئاب ترعى قطعان الخرفان وتلعب دور الحكم متى حدثت هناك صراعات.
تشاجر قطان على رغيف لم يتوافقا على قسمته فيما بينهما، فقررا الذهاب إلى القرد ليقسم لهما… أحضر القرد الميزان وقسم الرغيف شطرين غير متساويين ووضعهما في كفتي الميزان. طبعا ستميل الكفة الأثقل، فماذا سيفعل القرد؟ لم يقتطع جزءا من الشطر الكبير ليضعه في الكفة الأخرى، بل قضم منه « قضمة » كبيرة، جعلت الكفة تميل في الاتجاه المعاكس، ليعيد العملية بنفس الطريقة في كل مرة، إلى أن أكل الرغيف كله، ثم قال للهرين المغفلين « حاولت ما أمكن أن أقسم بينكما بالعدل لكنني لم أتوفق… سأعمل على تغيير طريقة قسمتي في المرة المقبلة، إن حدث بينكما شجار بهذا الخصوص »…وعاد الهران المغفلان جائعان من حيث جاؤوا.
نعم، بلدان غنية بخيراتها، ما فوق الأرض وما تحتها، يتم نهبها بكل السبل بالموازاة مع خلق بؤر التوترات والنزاعات من خلال تأجيج الصراعات الداخلية على أسس عرقية، وكذا على أسس عقدية، بين من هو مؤمن ومن هو ملحد، وكذا بين الفرق الدينية. كل أنواع المتفجرات تم زرعها في طرقنا وأزقتنا، داخل الدول المستضعفة، يتم تفجيرها عن بعد كلما دعت الضرورة ذلك. تفجر الألغام العرقية، فيقتتل المغفلون المبرمجون ويتطاحنون فيما بينهم، بينما الناهبون المبرمجون يزدادون شراسة في النهب. السذج يقتتلون ويبيد بعضهم بعضا بالأسلحة التي تتدفق من كل الآفاق، ثم تتم تقوية الفرقة الأكثر ولاء للناهبين والأكثر استعدادا وقابلية للعب دور التمكين المستعمر والدفاع (الحرب بالوكالة ضد أبناء الوطن خدمة للسيد المستعبد للبلهاء).
السودان، البلد الإسلامي (العربي) الإفريقي الكبير عمل « السايسبيكيون » الجدد على تلغيمه بمتفجرات القوميات والعرقيات، فما فتئت الفتن واحتدام الاقتتال ينخر جسده إلى أن اقتطع منه إقليم جنوب البلاد (جنوب السودان) الذي أصبح مسيحيا. وبالرغم من ذلك ظل الاقتتال ينخر المولود القصري الجديد الغني بالبترول، فالسيسبيكيون لا يبالون لا بالمسيحي ولا بأي كان، بل همهم التفرقة قصد الاستحواذ على خيرات البلدان. ثم لازال إقليم دارفور (غرب السودان) محط زرع الألغام وتفجيرها قصد انفصاله ليصبح لقمة صائغة أسهل مما هي عليه الحال. تمت الإطاحة بالنظام العسكري الحاكم (عمر البشير) من خلال ثورة غوغائية (مدبرة مسيرة) لتدمير بقايا المناعة الاجتماعية ليبدأ العمل على تمزيق ما تبقى من السودان وتدميره ذاتيا من خلال تفجير قنابل العرقيات الموقوتة التي أجهزت على البلاد والعباد. فالسودان الآن يتم إنهاكه تماما وتدميره ذاتيا من خلال تواطؤ القوى العميلة التي تتبنى نهج الخيانة بالارتماء في أحضان « السايس-بيكيين » الذين يعملون على تفتيت المفتت، وتدمير المدمر، ليتمكنوا من إحكام الاستغلال والنهب لكل الخيرات وترك الشباب السوداني (كمثال، فقط) تائهين، هائمين على وجوههم، يقطعون الصحاري ويتحدون كل المخاطر بحثا عما يسدون به رمقهم.
عار على مسميات المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي الذين يؤمنون ويدعمون المستعمرين الناهببين لخيرات البلدان الضعيفة التي لا يتهاونون في إثخانها جروحا دامية غائرة لئلا تقوم لها قائمة. مجلس الأمن الدولي والعدالة الدولية في خدمة الأقوياء وإعطائهم كل الحق في نهب الدول الضعيفة وسرقة خيراتها، وإبادتها. فلا داعي لإظهار الاستغراب من ظاهرة الهجرة، بل التيهان، جنوب شمال، فأنتم من زرعتم بذور هذه الظاهرة (الفاضحة للظلم المؤسساتي الدولي المستشري…) وتعهدتموها بالعناية والتحريض بواسطة وسائل الإعلام، من خلال الدفع بالشباب للارتماء في أحضان حضارة غربية تدفع بالإنسان للقيام بأي شيء من أجل تلبية رغباته ونزواته من خلال الانغماس في الملذات والشهوات… فأين هو شعار حقوق الإنسان؟ وهل هناك إنسان أم « أناسين » متباينة لا تستوي في الحقوق؟ حضارة غربية غريبة الأطوار، حكمت على نفسها بالبوار والزوال، وها قد بدأ العد العكسي لاندحارها… فما حرب روسيا على أوكرانيا إلا مقدمات لانقلاب السحر على الساحر… وهو ما حدث قبل الحرب العالمية الأولى وكذا الثانية… إلا أن الحرب العالمية الثالثة، إن اندلعت، ولابد أن تندلع، ستسدل الستار عن حضارة لن يتأسف عن أفولها إلا عبيدها. نعم، عبيدها من خارج العالم الغربي، من داخل العالم « السايسبيكي » نفسه، حيث أصبح الذين يتغذون على مأدبة صراع العرقيات والقوميات كمدمني المخدرات، لا يمكن أن يتخيلوا ويستسيغوا أنهم أصبحوا أحرارا.

