مفاهيم علمية جيولوجية خاطئة وتشوهات معرفية جد حرجة والصواب فيها
مفاهيم علمية جيولوجية خاطئة وتشوهات معرفية جد حرجة والصواب فيها
(الكتـــــاب المدرســـــي)
تابع مقتطف من كتاب « التربية والتعليم وثقافة مجتمع، اختلالات ومعاطب صرخة مغربي » – الطبعة الأولى سنة 2008
مقتطـــــف منقـــــــــح
من بين المفاهيم العلمية الخاطئة والمشوهة إلى حد بعيد، والتي أصبحت تتداول بكل تلقائية، ويعاد نشرها في كل الكتب المدرسية (الدروس، التمارين، والامتحانات…) ما يلي
ا(1)التدفق المستمر على مستوى ذروة المحيط يؤدي إلى دفع البازلت القديم جانبيا مما يجدد قعر المحيط فيتم امتداده؛
ا(2)أن البازلت الجديد يدفع البازلت القديم الذي يدفع بدوره القارات، مما يؤدي إلى اتساع قعر المحيط
ا(3)الرواسب الحديثة المتشكلة على مستوى الذروة المحيطية تدفع الرواسب القديمة، مما يؤدي إلى اتساع قعر المحيط وبالتالي ابتعاد القارة الإفريقية عن القارة الأمريكية مما يدعم نظرية « فيغنر »
هذه الأمثلة من المفاهيم العلمية الخاطئة أو المشوهة إلى حد لا يقبله العقل، يتنافى مع أبجديات التفكير والمنطق العلمي، تمثل أخطاء مزمنة وذات أبعاد كارثية على فهم وتصور مبادئ ومرتكزات ومقتضيات تكتونية الصفائح خصوصا (fondements de la tectonique des plaques (، وعلوم الأرض عموما. والمثير للانتباه أن هذه الأخطاء ملازمة لكتب علوم الحياة والأرض للسنة الثانية من التعليم الثانوي الإعدادي. ومن المعلوم أن هذين المفهومين الخاطئين المشوهين (أ) و (ب) قد تم اجترارهما سنين طويلة في السنة الخامسة من التعليم الثانوي (الجذع المشترك الحالي) إلى السنة الدراسية (2004-2005)، قبل أن يبدأ العمل بتدريس هذه المفاهيم في المستوى الإعدادي، و يا له من منطق غريب ويا لها من مفارقة عجيبة. فهذه المفاهيم شكلت تحديا لرجال التعليم الثانوي التأهيلي ومؤلفي الكتب، فإذا بنا نعمل على تحميل عبئ تدريسها لرجال التعليم الإعدادي، أي تحميلهم ما لا طاقة لهم به معرفيا، فكما يقول المثل الدارجي (والدارجة أصبح لها شأن معتبر حتى في منظومتنا التعليمية) « غير زيد عليه ما نايضش ما نايضش« .
ما هي نوعية الأخطاء وخطورتها؟ وما الصواب فيها؟
لو كان هذا جوابا خاطئا صادرا عن تلميذ، لم يتمكن من استيعاب مبادئ ومفاهيم تكتونية الصفائح، لقيل له أن إجابتك خاطئة، والصحيح هو أنه، ليس التدفق البازلتي المستمر على مستوى ذروة المحيط هو من يدفع البازلت القديم جانبيا ليدفع بدوره القارات، فيؤدي إلى اتساع قعر المحيط. وسيقال له أن التدفق البازلتي على مستوى ذروة المحيط ناتج عن تمدد قعر المحيط، بسبب ابتعاد الصفيحتين، اللتين تحدهما هذه الذروة، عن بعضهما البعض، وهو ما يؤدي إلى تكون شقوق (فوالق عادية) مفتوحة تملؤها الصهارة البازلتية الصاعدة، والتي ليس من خصوصيتها الاستمرار في التدفق لذاتها. هذه الإجابة، مع ما يواكبها من شروحات وتوضيحات، ستسهم قطعا في تعليم والتكوين السليم للتلميذ والبناء المعرفي الجيد، الذي سيمكنه من استيعاب المفاهيم والمعارف المعقدة، خلال الأطوار التعليمية اللاحقة. لكن أن تكون هذه الأخطاء، وهذا القلب المدوي والتشويه الخطير للمفاهيم العلمية، موثقا في الكتب المدرسية، مزمنا ملازما لها، فإن الأمر جد محرج. فلن يجدي نفعا تصحيح هذه المفاهيم المشوهة إلى هذا الحد، لا إيجازا ولا تفصيلا، لأن الصرح المعرفي عند من يفهم الأمور هكذا يفتقد لأدنى الأسس العلمية والمنطقية السليمة للفهم والتفكير السليمين. فمن لا يستوعب حتى المفاهيم الجيولوجية العامة البسيطة، التي تدخل في خانة المفاهيم التي يمكن أن يستوعبها حتى عامة المشاهدين المتفرجون على الأفلام الوثائقية، فكيف له أن يستوعب مثلا المفاهيم المعقدة للجيولوجيا البنيوية المتطرق لها هي كذلك في هذه الكتب؟
وحتى يتضح بكل جلاء مدى تشوه المفاهيم الجيولوجية المتطرق لها في المثالين السابقين:
(– التدفق البازلتي المستمر على مستوى ذروة المحيط يؤدي إلى دفع البازلت القديم جانبيا مما يجدد قعر المحيط فيتم امتداده؛
– البازلت الجديد يدفع البازلت القديم الذي يدفع بدوره القارات، مما يؤدي إلى اتساع قعر المحيط).
فسنتطرق إليها بشيء من التفصيل من خلال ما هو معلوم، علميا، من نظرية « تكتونية الصفائح »، للوقوف على مدى ما بلغته المعارف من تشوهات مسببة للإعاقة الفكرية الغائرة، المستدامة.
فمن المعلوم علميا ومعرفيا أن الصفائح المكونة من الغلاف الصخري للأرض والليتوسفير تتحرك بالنسبة لبعضها البعض، محمولة بــ »تيارات الحمل الحراري » (courants de convection) الكامنة في الرداء. كل صفيحة تتحرك بالنسبة للمحاذية لها، إما تباعدا (التباعد)l’extension))، أو تتقاربا (التقارب)(la compression) أو انقلاعا (الانقلاع) (le décrochement)، وهو انقلاع من نوع خاص، بواسطة الفوالق المحولة أو التحويلية(failles transformantes) . ومن المعلوم كذلك، أن كل صنف من هذه التحركات التكتونية تؤشر عليه ظواهر جيولوجية معلومة تمكن من الاستدلال على وجودها وطبيعتها. ومن بين هذه الظواهر الجيولوجية وجود « ذروة وسط المحيط » ((dorsale médio océanique، والتي يتوسطها (خاصة في حالة الذروات البطيئة dorsales lentes) « خسف محوري » (rift axial ( ناجم عن وجود فوالق عادية (failles normales) متقابلة، بحيث تؤشر هذه المعطيات كلها عن تباعد الصفيحتين المتجاورتين بعضها عن بعض. وهذه الفوالق العادية عبارة عن شقوق عميقة يؤدي وجودها و »انفتاحها » (من وقت لآخر حينما يكون هناك تحرك مفاجئ، كما هو حال الفوالق) إلى انخفاض مفاجئ للضغط (baisse brutale de pression)على مستوى الأستينوسفير (Asthénosphère)، أعلى الرداء، المتواجد على عمق ضعيف تحت الذروة المحيطية (نظرا لضعف سمك الغلاف الصخري المحيطي تحت الذروة)، وهو ما يؤدي إلى انصهار جزئي (Fusion partielle) لصخور البيريدوتيت (Péridotites)، المتسبب في تكوّن الصهارة القاعدية ( magma basique) التي تصعد إلى أعلى لتتدفق فوق قعر المحيط ولتملأ وتغلق الشقوق التي فتحت. ومن المعلوم كذلك، أن بلوغ هذا الصهارة القاعدية قعر المحيطات والبحار يجعلها تتصلب بسرعة، بسبب تبردها السريع بفعل تأثير مياه البحر الباردة، مما يؤدي إلى تكون الصخور البازلتيةroches basaltiques) ( المعلومة، بينما نفس الصهارة القاعدية التي لا تبلغ السطح تتبرّد ببطء في الأعماق فيتكون الكابرو (gabbro).
إليكم باختصار، وبكل إيضاح وتوضيح، سيناريو تكون البازلت وتحرك الصفائح التكتونية:
تبدأ أولا بتعريف البازلت: البازلت (Basalte) صخرة ناتجة عن التبريد المفاجئ (refroidissement brutal) للصهارة القاعدية (magma basique) ، التي بلغت سطح القشرة الأرضية، إما في الهواء الطلق وإما تحت الماء (قعر البحر). فمن خلال هذا التعريف، يبدو بكل جلاء أن صخرة البازلت ليس لها أي دور، لا من قريب ولا من بعيد، في ابتعاد (حركية) الصفائح التكتونية، كما هو متداول في الكتب المدرسية. فمن المعلوم أن الصهارة القاعدية مصدرها صخرة للبيريدوتيت (Péridotite) المكونة للرداء (Manteau terrestre) في حال تعرضها للانصهار (fusion) الجزئي. والسؤال الواجب طرحه هو متى يحدث الانصهار الجزئي للبيريدوتيت؟ والجواب: يحدث هذا الانصهار الجزئي عندما يحدث انخفاض حاد مفاجئ في عامل الضغط (chute brutal de la pression) على مستوى الرداء، في مقابل عدم تغير درجة الحرارة (Température constante)، وهو ما يعبر عنه بالفرنسية (fusion partielle adiabatique). والسؤال العلمي الذي يطرح نفسه: ما هي الظروف الجيوديناميكية التي تؤدي إلى الانخفاض الحاد المفاجئ للضغط على مستوى الرداء، بينما تظل درجة الحرارة مستقرة؟ لكي ينخفض الضغط، على مستوى الرداء، فلا بد من حدوث شقوق مفتوحة غائرة (أي فوالق عادية) على مستوى القشرة الأرضية تبلغ في عمقها الرداء العلوي. ولكي تتكون الفوالق العادية (والشقوق المصاحبة لها) الغائرة التي تخترق القشرة الأرضية، فلا بد من حدوث تباعد صفيحتين. إذن، كاستنتاج وكخاتمة لما أوضحت، فلكي تتكون الصهارة القاعدية على مستوى الرداء، فلا بد من حدوث تباعد صفيحتين متجاورتين، يؤدي إلى تكون شقوق غائرة، تفضي إلى انخفاض حاد مفاجئ في الضغط، من دون تغير درجة الحرارة، وهي الظروف الجيوديناميكية التي ينتج عنها « انصهار جزئي » لصخور البيريدوتيت المكونة للرداء. فما أن تتكون الصهارة القاعدية المنخفضة الكثافة، بالنسبة لصخور البيريدوتيت العالية الكثافة المحيطة بها، حتى تبدأ في الصعود عبر الشقوق، بحيث ما يبلغ منها السطح يتبرد بسرعة ليعطي البازلت، وما يبقى في الأعماق، يملأ الشقوق، يتبرد ببطء شديد بحيث تنتج عنه صخرة الغابرو. نفس الصهارة القاعدية، يتكون منها البازلت فوق سطح القشرة الأرضية، والغابرو في الأعماق. فإذن، ابتعاد صفيحيتين متجاورتين هو الذي يتسبب في تكون الصهارة القاعدية التي تتكون منها صخرة البازلت، وليس العكس، كما هو متداول في الكتب المدرسية وما يتم تدرسيه للتلاميذ بالتعليم ما قبل الجامعي.
هذا هو بكل اختصار ووضوح تام « سيناريو » الظواهر الجيولوجية المصاحبة لتحرك صفيحتين متجاورتين تبتعدان عن بعضهما البعض؛ من هنا يتبين مدى التشوه المعرفي الخطير للمعلوم بالضرورة من مفاهيم الجيولوجيا. فلو كانت هذه المفاهيم العلمية متصورة كما هي مسطرة في كتبنا المدرسية (الثانوي الإعدادي في الحالة التي تعنينا هنا)، لكانت الظواهر الجيولوجية على وجه الأرض غير التي نشاهد ونعرف، ولكانت هناك نظرية غير نظرية تكتونية الصفائح المعلومة التي يراد تعليمها لأبنائنا اعتمادا على بيداغوجيا الكفايات السحرية التي تجعل التلاميذ يستوعبون ما لا يفهمون. إذ كيف يمكن لتموضع حجم ضئيل جدا من الصهارة القاعدية (عبارة عن قطرة ماء في صخور جبال الهيملايا، قياسا بشساعة وضخامة أصغر صفيحة صخرية معروفة) بين صفيحتين أن يدفع بهما فيؤدي إلى تباعدهما عن بعضهما البعض؟ كيف يمكن تصوّر تدفق صهارة البازلت على مستوى ذروة وسط المحيط الأطلسي كمحرك يدفع في اتجاه الشرق بالصفيحة الإفريقية (الممتدة عرضا من وسط المحيط الأطلسي من جهة الغرب، إلى وسط المحيط الهادي من جهة الشرق)، وفي اتجاه الغرب بالصفيحة الأمريكية (المتكونة من الشطر الغربي للمحيط الأطلسي والقارة الأمريكية)؟ هل تم التفكير، بل تصور مدى قوة الضغط المطلوب لزحزحة هاتين الصفيحتين عن بعضهما البعض؟ وهل يمكن للكرة الأرضية أن تتحمل انبعاث هذا الضغط الهائل من داخلها، من دون أن يحدث لها انفجار مهول يؤدي إلى اندثارها تماما، بل وتدمير المجموعة الشمسية كلها؟ فلو كان ضغط الصهارة البازلتية الذي يتموضع على مستوى ذروة وسط المحيط هو الذي يعمل على الدفع الأفقي المتسبب في تباعد صفيحتين متجاورتين، فما الذي يمنع هذه الصهارة من الارتفاع مئات، بل آلاف الكيلومترات في الفضاء الخارجي للأرض؟ ثم، كيف كانت ستكون حالة التشوهات التكتونية « الانضغاطية » على مستوى القشرة المحيطية (علما أنه لا وجود لأي تشوه انضغاطي ) caractère compressif) على مستوى القشرة المحيطية) وحتى القشرة القارية، لو كان الأمر كما هو متصور في هذه الكتب؟ ثم كيف يمكن تصور تكوّن الصهارة القاعدية على مستوى الرداء في غياب الشقوق والفراغ الناجم عن تباعد الصحيفتين المتجاورتين عن بعضهما البعض؟ فإذا كانت صخور البازلت هي التي تدفع بالصفيحتين كما هو متصور في الكتب المدرسية، فمن أين أتت وكيف تكونت في غياب العوامل المؤدية إلى تكون الصهارة القاعدية؟ نعم، إنها مفاهيم خاطئة ومشوهة إلى حد بعيد، بحيث تفضي الأخطاء والتشوهات بعضها إلى بعض في تسلسل مريب ورهيب؛ فالأمر لا يتعلق فقط بأزمة في المنظومة التعليمية للبلاد، بل بكارثة تربوية تعليمية علمية بكل المقاييس، ناتجة على الإخلال التام بالمهام والمسؤوليات وتطاول من لا بضاعة علمية صحيحة سليمة عنده على ميادين بحساسية المنظومة التعليمية.
ومما تجدر الإشارة إليه، أنه من خلال ترجمة مفاتيح بعض الرسومات ووثائق الإيضاح (légende des figures) يتجلى في بعض الأحيان، وفي نفس الكتاب المدرسي، المفهوم السليم لتكوّن البازلت وتموضعه على مستوى الذروة. فما هذا الخليط؟ فهل يمكن أن يؤخذ هذا المعطى على أنه شيء إيجابي يخفف من وطأة المفهوم الخاطئ المتطرق له أعلاه، في نفس الكتاب، بل وفي نفس الصفحة؟ والجواب طبعا لا، إنه خلط خطير للخطأ بالصواب، إذ كيف يمكن للمدرس والتلميذ على السواء التعامل والتعاطي مع هذه المتناقضات التي تلقي بظلال من الشك والريبة في عقولهم، إن هم تفطنوا لها؟ ففي غالب الأحيان ما سيظنون أن كلا المفهومين سليمين، ويحملان نفس الحمولة العلمية التصورية لهذه الظاهرة الجيولوجية وهو وهم خطير، يظهر أن مفاهيم الجيولوجيا في تعليمنا (حتى البسيطة منها) تبقى بعيدة كل البعد عن الاستيعاب والفهم السليمين. والسؤال الذي يطرح نفسه على مدمني المقاربات البيداغوجية: إذا كانت المقاربات البيداغوجية تمثل العصا السحرية المعول عليها، فلماذا لم يسعف التدريس بمقاربة بيداغوجيا الكفايات المدللة حتى مؤلفي الكتب (الذين ألفوها لهذا الغرض) في الفهم السليم لهذه المفاهيم العلمية؟
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن هناك بعض الكتب المدرسية التي تقل فيها نسبيا المفاهيم المغلوطة والمشوهة وهو ما من شأنه أن يزيد كذلك الطين بلة وبللا، بسبب إدخال عامل جديد لن يزيد الفكر إلا تشتتا، ألا وهو عامل التناقض والتضارب في المفاهيم بين كتاب وآخر. إذ كيف يمكن للتلميذ والمدرس على السواء الاهتداء للصواب في هذه السوق الضخمة للكتب المدرسية؟ وبما أننا قفزنا إلى حد تخصيص كل حي من أحياء المدينة الواحدة بكتاب مدرسي معين، فإن الأمر يصبح مقلقا وأبعد ما يكون عن أي نهج تربوي بيداغوجي سليم بسبب تضارب المفاهيم من حي لآخر، وهو الأمر الذي من شأنه أن يتسبب في تكوين كل حي لفريقه للتباري مع فرق الأحياء الأخرى على غرار الفرق الكروية « الأحيائية » (وحتى هذا لم يعد ممكنا، لأننا عملنا من خلال إفساد المناخ التربوي والتعليمي على تنفير أطفالنا، منذ نعومة أظافرهم، من كل ما يمس للتعليم بصلة). هل بعد كل هذا التسيب ستبقى لتعليمنا أية مهابة وقدسية في نفوس تلامذتنا وداخل مجتمعنا؟ وهل ستبقى لرجال التعليم أنفسهم وكتبنا المدرسية أية مصداقية في المجتمع؟ أحد الأساتذة الجامعيين كان يعلم ابنه الذي كان يدرس بالسنة الأولى ثانوي (الجذع المشترك حاليا) المفاهيم الجيولوجية الصحيحة ويطلب منه ألا يظهر ذلك للأستاذة حتى لا يربكها فتدخل معه في صراع وتعمل على الانتقام منه (وهذه أوجه أخرى للعملة الفاسدة، ومصيبة أخرى تتمثل في مدى سلبية كل من أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي والأستاذ الباحث على السواء؛ انعدام الكفاءة عند الأستاذة قد يدفعها للانتقام من التلميذ، وتقوقع الأستاذ الباحث على نفسه جعل منه رقما منعدم الفاعلية، لكن لا يسمح السياق بالتطرق لهذه الأمور هنا).
ومن أغرب وأعجب التشوهات المعرفية، وما يثير الشفقة على حالنا، ما هو موثق في بعض هذه الكتب المدرسية والذي مفاده: « أن الرواسب الحديثة المتشكلة على مستوى الذروة المحيطية تدفع الرواسب القديمة، مما يؤدي إلى اتساع قعر المحيط وبالتالي ابتعاد القارة الإفريقية عن القارة الأمريكية مما يدعم نظرية Wegener « .
يا للهول، لو كانت هذه هي النظرية التي تبناها هذا العالم، لما عرف اسمه حتى في حومته، بل لكانت وبالا عليه. إنه كالحلم المرعب، كابوس أبعد من أن يتصور أو أن يخطر على بال كل عاقل، فلقد بلغ تشوه المفاهيم والمعارف حدا يتسبب في الهذيان والغثيان، بحيث يظهر جليا أنه حتى المفاهيم الأساسية والمرتكزات العلمية البسيطة وبديهيات مبادئ ومفاهيم علوم الأرض) les plus simples des fondements et des concepts (أصبحت أبعد ما يمكن عن الاستيعاب والفهم والتصور السليمين. والأخطر ما في الأمر أننا نعمل على تثبيت كل هذه التشوهات والإعاقات وإشاعتها من خلال تعليمها لرجال الغد. كيف يمكن إذن للتلاميذ الذين يعبؤون بهذه الأصناف من الإعاقات الذهنية والفكرية والتصورية أن تبقى عندهم أي قابلية للتعلم ومتابعة تكوينهم في التعليم العالي من دون استعمال المنشطات (dopage) بجرعات مكثفة؟ ونلقي بعد ذلك باللائمة على التعليم العالي والجامعي والتكوين بالمدارس العليا للأساتذة التي أقصيت من تحمل مسؤولياتها في تقويم ما يمكن تقويمه بهذا الخصوص على ضوء الواقع المعيش والوقائع. ثم إن نظرية « زحزحة القارات » لـــ »فيكنر » (Wegener) نظرية « بدائية » لم تعد صالحة، فلقد استبدلت بنظرية « تكتونية الصفائح »، والفرق بين النظريتين شاسع جدا، ويظهر بجلاء أن هناك خلطا عجيبا بين الأمرين عند مؤلفي هذه الكتب.
كيف تم بلوغ هذا الحد الخطير من الهذيان، الذي مفاده أن « الرواسب الحديثة التي تتشكل على مستوى الذروة الوسط محيطية تدفع الرواسب القديمة، مما يؤدي إلى اتساع قعر المحيط وبالتالي ابتعاد القارة الإفريقية عن القارة الأمريكية »؟ والرهيب المرعب في الأمر، أن هذا الهذيان ليس حديثا داخليا، عبارة عن هواجس نفسية عند من يعلم أن رأس مال بضاعته المعرفية في الجيولوجيا لا يسعفه في فهم هذه الظواهر، بل يتعلق الأمر بمفاهيم جيولوجية موثقة في الكتب المدرسية، ويراد لها هي وبيداغوجيا الكفايات أن تسعفا كلا من التلميذ والمدرس على السواء في الفهم السليم. فكما يقال، تمسك غريق بغريق، فكيف لهما أن ينجوان؟ إنه أغرب مفهوم جيولوجي يتم تعليمه لتلامذتنا، وهو يظهر بما لا يدع أي مجال للشك أن مفهوم المهام والمسؤوليات لم يعد له أي اعتبار في تعاملنا مع أكثر الميادين حساسية. لن نتطرق هنا ولو بالإيجاز لتوضيح هذا المفهوم المتعلق بتكون الصخور الرسوبية، ولن نتطرق للخلط الخطير بين ثلاث مفاهيم جيولوجية جد متباينة (Subduction, Subsidence et Enfouissement) في الترجمة لها بمصطلح « التمر »[1]. فليس هذا الهدف مما نحن بصدد كتابه هنا، بقدر ما أننا نريد أن نبرهن بالدليل الموثق القاطع (بواسطة هذا المثال) عما بلغه المستوى المعرفي عند الكثير من رجال التعليم من تدني خطير ورداءة لن ينفع معه لا التدريس بمقاربة الكفايات ولا الارتماء في أحضان تكنولوجيات المعلومات والاتصالات.
فما لم نتمكن من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، كما يقال، لضبط أمور منظومتنا التربوية والتعليمية على أسس سليمة تم افتقادها مع مرور الزمن، فسيبقى تعليمنا (العمومي والخصوصي) متجاوزا في محتواه المعرفي الذي يشكل لب العملية التعليمية والتكوينية، ولن نزيده إلا تجاوزا وغوصا في المستنقع بهروبنا إلى الأمام، عبر تركيزنا على الوسائل البيداغوجية، ثم تبنينا لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات كعصى سحرية لشق طريق سالكة في محيط تربوي تعليمي شديد الاضطراب. فإذا كان قائد العمليات والموجه لها يفتقد لمستوى الدراية اللازم لإدارتها، فكيف له أن يشرف عليها بنجاح كما هو مطلوب من المدرس بمقاربة الكفايات؟ ثم كيف يمكن لمن تعلم تقنية « كب » و « كول » (للتعبير عن « كوبيي » – كولي ») لما لا يعرف أن يكون قائدا للعمليات بمنظور التدريس بمقاربة الكفايات؟ لا أدري ما الذي بقي لم أقله لتجلية الحقائق وتوضيح الرؤيا لمن لازال يراهن على مواجهة الداء بتجاهله والتعاطي بدل ذلك مع أعراضه؟ أهلا وسهلا بالتدريس بمقاربة الكفايات، لكن بشرط وجود الكفاءات المعرفية والعلمية والمنهجية المطلوبة واللازمة، ومرحبا باستعمال تكنولوجيات المعلومات والاتصالات، لكن بنفس شروط التدريس بمقاربة الكفايات، زيادة على بناء الكفاءة اللغوية عند المتلقي.
وأنا أكتب هذا التشخيص، بحثت، معتمدا على « تكنولوجيات المعلومات والاتصالات » عما قد يكون كتبه الفرنسيون بخصوص منظومتهم التعليمية التي ننظر نحن إليها نظرة الغراب المعجب بمشية الحمامة. وقبل التطرق لما هو مطلوب فعله والقيام به لإعادة وضع القاطرة (قاطرة منظومتنا التربوية والتعليمية) على السكة السليمة، وفي الاتجاه الصحيح، سأسوق مقتطفات من بعض التقارير والتشخيصات الرسمية والغير الرسمية بخصوص مشاكل التعليم في فرنسا، البلد الذي نعمل على استنساخ واستنبات منظومته التعليمية في تربة غير تربتها ومناخ غير مناخها. لا أسوقها لإعطاء المصداقية لما أقول وأكتب، بل لإظهار أن الذين ننقل منهم بأعين مغمضة لا يمتلكون الحقيقة المطلقة، بل هم أناس يجتهدون لإصلاح منظومتهم التربوية والتعليمية اعتمادا على معطيات أرضيتهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية. فكما سبق أن أوضحنا من قبل، فحتى في عالمي النباتات والحيوانات، فإن السمة المشتركة تتمثل في خاصية التأقلم والتفاعل مع المحيط الطبيعي؛ فالأغلبية الساحقة من الأنواع مهيأة للعيش في بيئة خاصة بها، لا يمكن لها أن تحيد عنها. ومن الأمثلة الرائعة على هذه الخصائص الطبيعية ما هو معروف عن شجرة الأركان (arganier) التي لا تتواجد إلا بالمغرب، في غرب سلسلتي جبال الأطلس الكبير والصغير. فالأصل في عالم الحيوان والنبات إذن هو التميز بخاصية تأقلم كل نوع من أنواع الحيوانات والنباتات مع محيطه، فإذا ما تم إخراج أي نوع من بيئته فإنه سيعاني مشاكل كثيرة، هذا إن لم تصب بالتلف. فحتى في عالم الجماد والأحجار، فإن كثيرا من أنواع وأصناف الصخور تتفاعل بكيفية مغايرة مع عوامل التعرية التي تتغير من مناخ لآخر، كما أن العديد من أنواع الصخور الرسوبية تبقى لصيقة بنوعية المناخ الذي تتكون فيه. وهذه الخاصيات هي التي تمكّن من التعرف على الظروف المناخية والبيئية التي تكونت فيها الصخور الرسوبية عبر الأزمنة الجيولوجية السحيقة.
فهل يعقل أن تحيد المجتمعات الإنسانية عن نظام السنن والخصوصيات والخاصيات، الذي يشكل قاسما مشتركا بين كل العوالم المكونة للطبيعة (الجماد، النبات والحيوان)؟ فبخصوص الجنس البشري مثلا، توجد فوارق ومفارقات كبيرة فيما يتعلق بخصوصيات المجتمعات والشعوب. فنحن كمغاربة مثلا، لنا اليوم قيم وعادات وتقاليد وأعراف تمثل خصوصياتنا الثقافية والاجتماعية، كما نتميز كذلك بعقليات متأخرة وتدني مستوى دخل الأفراد وتدني المستوى المعيشي وما إلى ذلك (ظروف اجتماعية واقتصادية غير مرضية)، فهل يعقل إذن أن نقدم على استنساخ المنظومة التربوية والتعليمية لفرنسا والتي أعدت لأفراد شعب لا يجمعنا بهم أي قاسم مشترك؟ فالمنظومة التربوية تشبه شجرة الأركان في خصوصياتها وتأقلمها مع بيئتها ومحيطها، فهي ليست للاستنساخ والاستنبات في ظروف اجتماعية وثقافية مغايرة. فحتى في داخل الفضاء الأوروبي الذي تجمع شعوبه نفس الثقافة والقيم، ويحكمهم نفس الإطار السياسي العام (الاتحاد الأوروبي)، فلم تعمل بلجيكا على اتباع خطى جارتها فرنسا في الإصلاحات التي أدخلتها على منظومتها التعليمية. فقد حافظ البلجيكيون على منظومتهم التربوية الكلاسيكية، خاصة عندما تبين لهم مدى الأعطاب التي أصابت المنظومة الفرنسية من خلال مسلسل الإصلاحات التي خضعت لها. استنساخنا واستنباتنا لمنظومات تربوية لا تتناسب مع تربتنا الحضارية والثقافية والاجتماعية أدى إلى إفساد هذه التربة، بحيث لم تعد صالحة لاستنبات ونمو قيمنا والحفاظ على مقوماتنا والتي لن يصلح حالنا من دونها، تماما كما تفعل أشجار الأكليبتوس والصنوبر التي تنبعث من أوراقها وجذورها مواد كيميائية حامضية تفسد التربة، فتصبح غير صالحة لإنبات ونمو باقي أنواع الأشجار والنباتات، بحيث تبدو الأرض من تحتها جرداء قاحلة.



Les flèches rouges qui matérialisent les courants de convection mantellique induisent l’apprenti (élève, étudiant, enseignant non spécialiste) en erreur. Il ne s’agit pas d’un liquide qui bouillonne, mais d’un matériel très visqueux qui se déplace à l’ordre du centimètre (quelques à plusieurs centimètres) par an.

Ci-dessus, il s’agit d’une enclave de péridotite (roche mantellique) dans une roche basique

