اشتغــــال الأطفـــــال انتهـــاك للقانـــون الدولـــي
اشتغــــال الأطفـــــال انتهـــاك للقانـــون الدولـــي
——————————————————————————————————–
ردا على مقال بالجريدة الإلكترونية هيسبريس بخصوص ما نشرته المندوبية السامية للتخطيط، مفاده:
« » 148 ألف طفل يشتغلون في المغرب… والظاهرة تتمركز بالقرى » »
كما أورد فقرة من أواخر المقال، مفادها: « » تعتبر عمالة الأطفال انتهاك للقانون الدولي والتشريعات الوطنية؛ فهي إما تحرم الأطفال من التعليم، أو تتطلب منهم تحمل العبء المزدوج المتمثل في الدراسة والعمل » ».
ولقد أثار انتباهي في المقال أن « »إفريقيا تحتل المرتبة الأولى فيما يتصل بعدد الأطفال المشتغلين، حيث يصل عددهم إلى 72 مليون طفل » ».
وحتى يكون الرد مفيدا للقارئ، فلا بد من إلقاء الضوء على المصطلحات والحيثيات المرتبطة بموضوع « عمالة الأطفال ».
فمن المعلوم، أن تعريف الأمم المتحدة للطفل (ذكر أو أنثى) هو كل من لم يبلغ سن الثامنة عشرة من العمر؛ ولقد أصدرت، بهذا الخصوص، القوانين الضامنة لحقوق الطفل، ومن بينها التي تمنع من تشغيلهم قبل بلوغ سن الثامنة عشرة.
لنحلل ونناقش كل حيثيات هذا الموضوع للوقوف على ما هو صائب وما هو مجانب للصواب، وما يجب فعله في حال مجانبته للصواب.
وحتى يكون النقاش مثمرا وذا مغزى، فلا بد من الانطلاق من بعض الأمثلة الواقعية المعروفة. فمثلا، هذا اللاعب الإنجليزي « ميسون غرينوود »، الذي يلعب لـــ « مانشستر يونايتد »، يبلغ من العمر 18 سنة، والذي يعد من أفضل اللاعبين عالميا؛ وكذا اللاعب الكندي « ألفونسو ديفيز » الذي يلعب لـــ « بايرن ميونيخ » الألماني والذي يبلغ من العمر 19 سنة. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل انتظر اللاعبان حتى يبلغا سن الثامنة عشرة ليتعاطيا لكرة القدم، وليصبحا من أفضل اللاعبين الدوليين؟ سبق أن شاهدت وثائقيا بخصوص فريق « بايرن مونيخ »، وكم هي قاسية التداريب الي يخضعون لها يوميا، كيفما كانت أحوال الطقس. منذ الرابعة صباحا، حتى وإن كانت الثلوج تتساقط، ينطلقون في تمارين جسدية مضنية، من قبيل العدو الريفي في الغابات وأشكال أخرى من التمارين لبلوغ أقصى درجات التحمل الجسدي والنفسي. ثم يرجعون إلى ناديهم لتناول وجبة الفطور، وبعدها هناك برنامج يومي شامل لكل التمارين الأخرى التي عليهم أن يخضعوا لها لتكوين فريق متكامل متناسق. قطعا، مثل هذه التمارين والتدارب المضنية هي أقسى من العمل » بالبالة والفأس » والحدادة والميكانيك، الخ. فهل انتظر هاذين اللاعبين بلوغ سن الثامنة عشرة للقيام بمثل هذه التداريب الشاقة؟ قطعا لا، فعلى الأقل، كانوا يخضعون لمثل هذه التمارين المرهقة جسديا ونفيسا منذ سن الخامسة عشرة؛ أفلا يعد هذا من قبيل تشغيل الأطفال في ظروف قاسية جدا؟
ومن هنا يمكن القول: هل يعقل أن ينتظر الطفل (بل الشاب) إلى أن يحتفل بعيد ميلاده الثامن عشر ليدخل معترك الحياة اليومية، فيبدأ يشتغل لتأمين متطلبات الحياة؟ فلن يصبح ميكانيكيا بعد الثامنة عشر من العمر إن لم يكن قد عايش هذه المهنة عن قرب منذ صغره (10 سنوات من العمر، مثلا)، ولن يصبح نجارا ولا فلاحا ولا أية مهنة (تستر صاحبها إن لم تغنيه) … ما لم يتعلم هذه الأمور بالتدريج، منذ صغره ويتعود عليها. والسؤال الموازي، هل إذا تابع دراسته إلى أن ينال شهادة جامعية (من خلال النقيل الممنهج الذي أصبح حقا مكتسبا، وكذا الإنجاح المكثف التي تؤمنه الخريطة المدرسية…) لا تسمن ولا تغني من جوع، سيتمكن من تأمين حياته اليومية ومستقبله؟ وهنا يخالجني ما أجمله المراكشي في جوابه حينما سئل: كيف هو حال ابنيك، فلان وفلان؟ فكانت إجابته: « اللي نجح سقط واللي سقط نجح ». وعن السؤال « كيف ذلك، أجاب: الولد الكبير (فلان) عندو الماستر وراه مجبذ لي في الدار، وخوه الصغير ما عندوش حتى الباكلوريا وعند الفيلا و »الكات – كات » (السيارة الرباعية الدفع). الولد الصغير، غادر المدرسة، الي تعد تغري بما تقدمه للتلاميذ، فدخل معترك الحياة اليومي ليثبت وجوده. يا كم هو متفشي الهدر المدرسي المتجسد حتى في الكثير من حاملي الشهادات الجامعية؛ فلا هم تعلموا وتكونوا كما يجب، ولا هم خرجوا مبكرا ليشتغلوا فيندمجوا في سوق الشغل ليتعلموا ما يفيدهم.
فالمطلوب من الأمم المتحدة التي شرعت حقوق الطفل في الدراسة وعدم الشغل، قبل الثامنة عشرة من العمر، أن تعمل على فرض نظام تعليمي فعال ومجدي (بدل النظام العليمي الحالي المنفر من التعليم وما يمت له بصلة) وإعانة الدول الفقيرة على الخروج من الظروف الاقتصادية المتردية التي تجعل الأطفال يغادرون المدرسة (أو لا يدرسون أصلا) مبكرا ليشتغلوا قصد إعانة عائلاتهم في كسب ما يسدون به رمق الحياة اليومية.
ثم، فقد أثار انتباهي أن إفريقيا تحتل المرتبة الأولى فيما يتصل بعدد الأطفال المشتغلين، حيث يصل عددهم إلى 72 مليون طفل. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف لقارة هي من أغنى القارات أن يكون هذا هو حالها البئيس؟ أليست الأمم المتحدة مسؤولة عن هذه الوضعية الغريبة؟ أليس من واجبات « الأمم المتحدة » و »العدالة الدولية » العمل على ألا تنهب خيرات هذه القارة من طرف الدول المتقدمة التي تنظر لمثل هذه الحقوق من أبراج عاجية؟ خيراتك تنهب، والتعليم في الحضيض وظروف العيش جد قاسية، ثم يطلب منك الالتزام باتفاقية حقوق الطفل ومحاربة تشغيل الأطفال في سن مبكرة. يا له من منطق عجيب غريب، على أعلى مستوى أممي، فهو من قبيل « كيبع القرد ويضحك على اللي شراه »، وكذا « يقتل الميت ويمشي في جنازتو ». فما هذه التناقضات الصارخة؟
فحتى على مستوى حقوق الطفل المنظر لها، والتي تجعل ممن لم يبلغ سن الثامنة عشرة، غير مسؤول حتى عن جريمة قد يرتكبها، وليس مؤهلا لاتخاذ أي قرار يتعلق بحياته الشخصية؛ فما لم يبلغ سن الثامنة عشرة، يعتبر فاقداً للإدراك والتمييز، فهو معدوم الأهلية. وإذا كان هذا هو الطفل وحقوقه، فهل يعقل أن يتحمل الطفل الصغير مسؤولية موافقته (إن حدث) على أن يغتصبه شاذ جنسي؟ وهل يعقل أن يتحمل الطفل الصغير مسؤولية تغيير جنسه من ذكر إلى أنثى ولا يسمح للآباء بالتدخل تحت طائلة التجريم والعقوبة بالسجن، كما يحصل في كندا (كمثال، فقط). تناقضات صارخة يجب على الأمم المتحدة العمل على التصدي لها لكيلا تفقد مصداقيتها أمام الرأي العام العالمي.
اتركوا الأطفال يتعلمون ما قد يفيدهم في حياتهم إن لم تكن هناك منظومة تعليمية فعالة، فقط حسنوا ظروف العمل والتعلم واضبطوها لكيلا تهضم حقوقهم ويحملون ما لا يستطيعون من مشاق.
كما أثار انتباهي في المقال: « » وأشارت المندوبية (السامية للتخطيط)، ضمن مذكرة إخبارية بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة تشغيل الأطفال، إلى أن عدد الأطفال المشتغلين تراجع بنسبة 26 في المائة مقارنة بسنة 2019″ »، فهل هذا المعطى البارز (التراجع بــ 26 في المائة) مطمئن أم مثير للاستفهام؟ من المنظور الحقوقي، فالأمر جد مشجع ومطمئن؛ لكن، من حيث حيثيات أخرى، لم ولا تؤخذ بعين الاعتبار، فالأمر جد مقلق ومثير للتساؤل. يتعلق الأمر بظاهرة عزوف الأطفال والشباب عن الشعل والعمل؛ فنسبة الغير المشتغلين ستتزايد باضطراد، سواء تعلق الأمر بالأطفال أو بالشباب والكهول تبعا لذلك. عالم الشغل تغزوه الإناث، بينما والذكور رجعوا إلى الوراء كمتفرجين على ما يحدث، بحيث يملؤون المقاهي للتفرج على مباريات كرة القدم… فقد أثر الدفع بالإناث إلى سوق الشغل وغزو كل ميادين العمل على نفسية الذكور وتصرفاتهم، فانكمشوا على أنفسهم. ثم إن تراجع دور الأب في الأسرة إلى حد كبير، أمام سيطرة المرأة (الأم) على زمام الأمور، تسبب في التفريط في مفردات الرجولة عند الذكور. تدفع المرأة (الأم) بالرجل (الأب) للقيام بما يفترض أن يقوم بها الطفل أو الشاب، حتى الذهاب عند البقال لشراء الحليب وغيره. يكبر ولا يتعلم كيف يتحمل المسؤولية بالتدرج، حتى إذا بلغ 18 سنة من العمر، وجد نفسه عالة على أبيه (والذي سلبت أمه دوره الأبوي في التربية) وعلى أمه وعلى الجميع. فكم من الآباء، الذين خلطوا بين العاطفة والتربية، ضيعوا أبناءهم، بحيث قد يتزوج الشاب (إن بقي هناك مجال للزواج)، لكنه يبقى عالة على أبيه حتى في الذهاب إلى التسوق، أو إلى المقاطعة لطلب عقد ازدياد أو ما شابه ذلك. نعم خلط الآباء « ذووا المستوى الدراسي العالي » (كما جاء في المقال) بين التربية والعاطفة، وزاد الطين بلة اندفاع المرأة لتسيير زمام أمور الأسرة، ملغية بذلك دور الأب، ليكبر الأطفال مفتقدين لإحداثيات التموقع البناء في الأسرة وفي المجتمع والتصرف كرجال، قادرين على تحمل المسؤوليات المنوطة بهم.
فإذن، لا يجب الاطمئنان إلى تراجع عدد الأطفال المشتغلين بنسبة عالية بين 2019 و2022، بل يتعلق الأمر بجرس الإنذار لكل من يهمه مستقبل البلاد والعباد. فلا يمكن لأسرة ولا لمجتمع ضاع فيه دور الرجل كأب وكزوج أن يكوّنا رجالا يمكن الاعتماد عليهم في القيام بمهام بناء مجتمع سليم، متقدم. فبدلا من أن يتربى الأطفال، منذ الصغر، على تحمل المسؤولية في الأمور البسيطة ليكبروا وقد شبوا على الرجولة، فقد تربوا على السلبية في كل شيء، فضاعوا وضيعوا، وقد تكمل دورة « تضييع الرجولة » عند أبنائنا فتصبح قابلة لإعادة نفسها تلقائيا فنجني على أنفسنا، على حاضرنا ومستقبلنا.

