صرخة مغربي – الجامعة تحتضر… يا لها من كارثة بكل المقاييس

صرخة مغربي: الجامعة تلفظ أنفاسها الأخيرة … ويا لها من كارثة بكل المقاييس
..التحرش_والابتزاز_الجنسي – النقط مقابل المال#
التعليم عموما، والجامعة والتعليم الجامعي خصوصا، ليس حقلا كباقي الحقول أو ميدانا
كباقي الميادين أو منظومة كباقي المنظومات… فالتعليم هو الدم (التعلم، القراءة، الكتابة، العلم والمعرفة…) الذي يجري في شرايين الجسد (المجتمع) ليمده بكل متطلبات الحياة ووسائل التقدم والازدهار، والجامعة هي القلب النابض الذي يدخ الدم في الجسد. فمتى ضعف القلب أو مرض، يضطرب وقد يتعطل جريان الدم، وحتما يهلك المجتمع الجسد. فإذن، التعامل مع الجامعة والمنظومة التعليمية لا يجب ولا يعقل أن يكون كالتعامل مع باقي المنظومات (حتى الاقتصادية والصحية، …)، فلا يعقل أن تترك حالتها الصحية تتفاقم والكل يتفرج، بل يزيد الطين بلة بتصرفاته الخاطئة الكارثية. فهذا التعامل والتصرف مع المنظومة التربوية والتعليمية للبلاد هو من قبيل الانتحار، من قبيل الإلقاء بالنفس إلى التهلكة.
فالجامعة تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد أن غادرتها نسبة كبيرة جدا من الأساتذة الجامعيين الأكفاء علميا ومعرفيا، خلال المغادرة الطوعية المشؤومة ومن بعدها، بعد أن جاء دور التقاعد والتقاعد النسبي لتفرغ من محتواها وتطسم معالمها (كثير ممن لم يبلغوا سن التقاعد آثروا التقاعد النسبي ليبتعدوا عن مناخ الجامعة الذي أصبح موبوء، منفرا). غادر الكثيرون ولم يعوضوا إلا بنسبة قليلة جدا بالطاقات الشابة التي تنقصها التجربة، وحتى الكفاءة المطلوبة بعد أن تم التنكر لأطروحة الدولة، بحيث كان الأستاذ الجامعي حاملا لشهادتين جامعيتين، ديبلوم دكتوراه السلك الثالث، ثم دكتوراه الدولة، مع ما يعنيه ذلك من اكتساب للكفاءات العلمية والمعرفية والمهارات (لن أطيل بهذا الخصوص فقد سبق أن تطرقت لكل حيثيات هذا الموضوع بالتفصيل من قبل). الأساتذة الجدد تنقصهم الكفاءة العلمية والتجربة والتي تتأتى مع مرور الوقت لو أنهم تكونوا كمساعدين بجانب مؤطريهم (الأساتذة القدامى) وهم يهيؤون أطروحاتهم ليأخذوا عنهم تجاربهم وكل ما يؤهلهم لتحمل مسؤولياتهم كما يجب فيما بعد وهو ما لم يحدث، علما أننا نادينا بهذا الأمر، لكن لا حياة لمن تنادي. إذن، ليس من الصعب تخيل وضعية الجامعة المزرية في هذه الظروف الشاذة، بل الطبيعية، لأنها هي التي ستسود مستقبلا، بل الأمر وأدهى وأمر.
إذن، الجامعة تمر بأسوأ أحوالها، ولا أمل لتدارك الموقف، لكن بدلا من دق ناقوس الخطر لإحداث تعبئة عامة واستنفار شامل قصد العمل على تدارك ما يمكن تداركه، إن أمكن ذلك قبل الموت النهائي، إذا بالإعلام الرسمي ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الشعبي (القيل والقال) يقومون بما من شأنه الإجهاز على ما تبقى من وميض الحياة في القلب الذي يضخ الدم لجسد المجتمع، الجامعة المنهكة. هجوم كاسح من طرف كل مكونات المجتمع (خاصة الإعلام المبجل) على الجامعة بسبب حالات شاذة لبعض المحسوبين على الأساتذة الجامعيين الذين جعلوا من التنقيط « وسيلة للابتزاز الجنسي » للطالبات. فضيحة مدوية، كما صور ذلك التهويل الإعلامي بكل مكوناته، فقد تم إلقاء القبض على ثلاث أساتذة في جامعة السطات استغلوا التنقيط للابتزاز الجنسي للطالبات. فمنذ البداية أحدثت ضجة إعلامية مدوية ضدا على أبجديات أسس العدالة التي تقتضي أن « المتهم بريء حتى تثبت تهمته »، لكن بعد التحقيقات تبين أن شخصا واحدا ثبتت عليه التهمة. تشهير بالجامعة وبالمتهمين قبل أن تثبت إدانتهم وهو ما يمثل ضربا من دروب الاستهتار والازدراء. ثم بعد هذه الحالة، تطايرت أخبار لحالات، بنفس الجامعة، استعملت فيها الأموال في مقابل نقط مرتفعة متورط فيها طلبة وموظفون إداريون. المهم في هذا الأمر أن الهجوم الإعلامي، المتعدد الأوجه، على الجامعة كاسح، زاد الطين بلة وانزلاقا، فكما يقول المثل الدارجي « منين كطيح البقرة كيكثرو الجناوي » أي السكاكين؛ فبدلا من محاولة إنقاذها يتم الإجهاز عليها بذبحها.
عودة إلى « النقط مقابل الجنس »، فكما قلت يتعلق الأمر بحالة، أو حالات، شاذة، لا يسمح بتعميمها ولا بالتشهير بها إعلاميا لكيلا يتم الإجهاز النهائي على الجامعة التي تمثل، كما قلت، القلب الذي يدخ الدم في جسد المجتمع. بداية، كان لا بد من التريث حتى تثبت التهمة على المتهمين لتتم المحاكمة، بعد ذلك، بعيدا على البهرجة الإعلامية، ويكون الحكم قاسيا، رادعا، لأن الأمر يتعلق بــ »الابتزاز الجنسي » مقابل النقط المرتفعة (خيانة الأمانة، وخيانة المجتمع ككل)، وكذا إلحاق أضرار فادحة بسمعة الجامعة التي يكفيها ما تعانيه من تردي خطير لظروف التدريس والتأطير والبحث. نعم، يجب إصدار حكم قاسي بعد أن تثبت التهمة، ثم التشهير به على صعيد كل الجامعات (شأن داخلي) ليكون عبرة لمن يعتبر. فكم من المسؤولين، خاصة في وزارة الداخلية، وغيرها، من تمت محاكمتهم بعد ثبوت التهم عليهم، ووضعوا في السجن من دون أن يتسرب أي شيء إلى الإعلام.
ثم، عودة لموضوع الابتزاز الجنسي مقابل النقط، فليس الأمر بتلك السهولة، وليس طارئا، فهو متجدر في الجامعة وكان أكثر إثارة حينما كان غالبية المدرسين بها فرنسيون. فالمناخ العام السائد داخل المحيط الجامعي يجعل من مثل هذه التصرفات عملة رائجة، مقابل النقط أو غيرها. فقد تم، خلال الأيام الأخيرة، زيادة الطين بلة من خلال إثارة موضوع التحرش الجنسي بإحدى الطالبات، فكما يقال « ما قدو فيل زادوه فيلة »، « طاحت البقرة فكثروا الجناوا »، كأن الأمر مقصود للإجهاز على ما تبقى من أطلال صرح الجامعة المتصدع. فكأن الجامعيين تغولوا فتعدوا حدودهم، بحيث أصبحوا يحشرون أنوفهم فيما لا يعنيهم، في كل شاذة وفادة، فكان لا بد من خلق مثل هذه الضجة الإعلامية لإعادتهم إلى مكانهم، وإشغالهم بشؤونهم الداخلية. فكما قلت، وضعية الجامعة المزرية الخطيرة، تتطلب تظافر جهود الجميع (لأنها قضية الجميع) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا العمل على زيادة الطين بلة، وإثخانها بالجروح الغائرة. نعم، لم يكن ينقص « الحرم » الجامعي إلا إشهار بطاقة التحرش الجنسي بين الأساتذة والطالبات اللائي أصبحن يمثلن النسبة الكبرى، عدديا، من الطلبة داخل الجامعة. فلقد سبق أن أوضحت في كتاب « شاهدونا ونحن نخرب بيوتكم » أن مصطلح التحرش (harcèlement) يعبر به عن حالة الهجومات المباغتة الخاطفة لأفراد المقاومة التي تحارب جيشا عرمرما احتل البلاد وسيطر عليها. فالتحرش، إذن، للتعبير عن مقاومة الضعيف المحتلة بلاده للقوي المهاجم المحتل. فإذا كان استعمال مصطلح التحرش فيما يقوم به الرجل نحو المرأة يعبر عما يقوم به، فإذن المرأة هي القوي المهاجم. طبعا لن يتفق معي أي أحد، أو القليلون فقط، لأنه لم يثبت أن اعترضت امرأة رجلا في الطريق تريده بالقوة ليضاجعها. لكن الجواب هو أن هجوم المرأة الكاسح هجوم صامت بكامل الجسد الأنثوي الجذاب، العاري، أو الشبه عاري، المثير بقوة لغريزة الرجل. فمن يمتلك كوابح قوية يعمل على امتصاص الهجوم وتجاوزه، وإلا فحيلة الضعيف هو التحرش ليقول بلسان الحال ها أنا ذا.
هذا النوع من المواضيع أصبح طاغيا على الأحداث في الجامعة وفي غير الجامعة، في كل مكان، وفي العالم كله، ليتبين أن التطرق إليه لا مناص منه لمحاولة شرح الواضحات، فكما يقال « كبيع القرد ويضحك على اللي شراه »، و « كي يقتل الميت ويمشي في جنازتو »… حضارة جعلت من المرأة أجساد عارية مثيرة ودفعت بالاختلاط إلى أقصى حدوده، بحيث أصبح الكل يتحرش بالكل (فحتى الأطفال لم ينجوا من هذه الهيستيريا)، والكل يهجم على الكل، لكن في هذا الخضم يتم تقديم المرأة المهاجمة كضحية بقوة القوانين الأممية. لكن، مادام مفهوم الجندر يساوي بين المرأة والرجل ويلغي نهائيا مفهوم الرجل والمرأة، وينص على أن الفرق بينهما هو من مخلفات التقاليد والأعراف التي أصبحت متجاوزة مع الثورة الحداثية التي تعرفها البشرية، فلماذا يتم سن قانون التحرش الجنسي لحماية المرأة من الرجل. أين اختفى مفهوم الجندر؟ أين هي المساواة (نفس اللباس، نفس الحلاقة، نفس…)؟ فإما الجندر ولا فرق بين المرأة والرجل، المساواة وإما الرجل (الجنس الخشن) والمرأة (الجنس اللطيف) التي تتطلب الحماية بكل أشكالها. فهل يعقل أن تعيش البشرية، خلال الألفية الثالثة المتغنى بها، وهي تعاني من مثل هذه التناقضات المدوية في كل الميادين؟ سكيزوفرينيا حادة على كل المستويات وفي كل الميادين، فهل الحداثة تعني هذه الانتكاسة الحضارية والثقافية؟ انتكاسة حضارة الجنس البشري؟
إذن الابتزاز الجنسي مقابل شيء ما (كالنقط مثلا) والتحرش الجنسي، وبيع شيء ما، غير قانوني، مقابل المال أمور أصبحت متفشية في مجتمع تنخر جسده حداثة فلكلورية، بعيدة كل البعد عن التحديث والتقدم. حداثة عظمت الأنا عند الناس حتى لا يرى إلا نفسه ومن بعده الطوفان. حضارة حداثة التهافت على جمع المال بكل السبل وبكل الوسائل، حتى التي لا تخطر على بال الإنسان. ففي زمن الحداثة هذا تلفظ الجامعة والتعليم العالي أنفاسها الأخيرة ليتم تدمير المجتمع الجسد، ليصبح جثة هامدة. وفي زمن هذه الحداثة « الممسوخة » انحلت عرى الأسرة وتخربت، فتفشت العنوسة وكل أنواع الشذوذ… ففي زمن الحداثة هاته، ترفع المرأة شعار أن « جسدها حريتها » في يوم عيدها، فيا له من عيد، ويا لها من مهانة وإهانة واحتقار للمرأة (التي هي المجتمع كله) التي أصبحت قيمتها مرهونة بجسدها، الذي ما أن تذبل وتذهب مفاتنه حتى تصبح متجاوزة، لا يلقى لها بال، كما كان يقول المثل الفرنسي من قبل، والذي تم حذفه في زمن هيمنة الجندر » la femme est comme une cigarette on la fume et on la jette » (المرأة كالسيجارة ندخنها ونرمي بما تبقى منها).
نعم يجب تنقية المناج الجامعي من مثل هذه النفايات، لكن ليس من خلال التشهير بحالات جد محدودة، تلحق أشد الأذى بالجامعة، قلب المجتمع الجسد، الذي أصبح في حالة صحية جد متردية، لا يمكنه تحمل مثل هذه الخشونة. الجامعة تحتضر وها قد استكمل الزمان دورته في أقل من 70 سنة، لنجد أنفسنا أسوأ حالا مما كان عليه الوضع بعد الاستقلال. ففي ذلك الزمان، لم تكن هناك جامعات، لكن التطلعات كانت كبيرة والهمم عالية، جعلت المغاربة يتحدون على المعيقات، رغم انعدام الإمكانيات. أما اليوم، فهناك جامعات تتهاوى بعد تقزمت الهم وانتكست التطلعات منتكسة وانعدمت الرؤيا … فكيف سنتمكن من تحدي الصعاب، فيما بعد، في الزمن الذي يأكل فيه القوي الضعيف، وقد أصبحنا غير قادرين حتى على الحفاظ على المكاسب؟ أجدادنا أسسوا لكل شعب العلوم، بكل تعقيداتها، وأسسوا أروع حضارة عرفتها البشرية، لازال الحنين إليها ساريا، خاصة بعد أن بدأت تتجلى وتنجلي بعض أوجهها المضيئة (الإسبان والبرتغاليون والحنين إلى الحضارة الأندلسية، كمثال)، لكن فرط فيها من جاؤوا بعدهم…ثم ها نحن قد اكتسبنا، بعد الاستقلال، المطلوب من العلوم والمعارف، ثم ها نحن نفرط في كل هذا بأبشع الطرق، علما أنه لا أمل، في المدى المنظر، على الأقل، لإعادة قطار التعليم الجامعي إلى سكته، وفي الوجهة السليمة الصحيحة لإصلاح ما نهدمه بأيدينا.
كثيرة هي العوامل التي جعلت المنظومة التعليمة تتفاقم أوضاعها، لكن أن يكون رد فعل المجتمع (الإعلام والرأي العام) هو السخرية والازدراء والتهكم والتنكيت على رجال التعليم ونسائه وكل ما يزيد الأوضاع ترديا، فهذا هو الحمق بعينه. نسخر من ماذا؟ نهتكم على ماذا؟ فمن المعروف بداهة، أن كل من يعرف كتابة ما يتهكم به على رجال التعليم ونسائه (حتى ولو بدا أنهم ليسوا كما يجب أن يكونوا، عموما في الظروف الحالية)، يدين بذلك للمعلم، وليس لــ « كعلم »، كما أصبح ينعت. فــ « من علمك حرفا صرت له عبدا »، والسؤال المطروح هو « هل يمكن الاستغناء عن التعليم ورجال التعليم؟ هل يمكن استبدال التعليم بشيء آخر؟ فإذن، لا بد من مقاربة خاصة للتعامل مع هذه المنظومة ورجالها، بحيث يجب أن تتكاثف جهود كل أعضاء جسد المجتمع للقيام بما يمكن القيام به لضمان تزويده بالدم المغذي والمنشط لحركاته ونشاطاته المتعددة حتى لا يهلك.
رجال التعليم ليسوا استثناء، فهم أفراد من أفراد مجتمع افتقد الناس فيه البوصلة التي تمكنهم من ضبط الوجهة السليمة التي يجب عليهم أخذها، فلم يصبحوا قادرين على التموقع السليم بالنسبة لما يجري حولهم من أحداث مريبة ومرعبة وتغيرات مثيرة. أحداث وتغيرات طارئة، متتالية، متداخلة، تلعب فيها المنظومة الإعلامية العالمية الموبوءة (سحرة فرعون) والأجندة المفروضة دورا أساسيا ورئيسيا في إبطال بوصلة التموقع السليم وضبط الوجهة السليمة المطلوب أخذها. أجندة مفروضة، حتى بقوة القوانين الأممية، فهل نستسلم وننتظر الموت؟ أين هم علماء الاجتماع والمفكرين وعلماء النفس و… ليقوموا بما يجب القيام به في مثل هذه الظروف الجد حرجة؟ المسؤولية مسؤولية المسؤولين بداية، لكن الأجندة المفروضة تضيق، إلى بعيد، هامش المناورة، لتبقى الكرة في مربع النخبة والإعلام الغير الرسمي (وسائل التواصل الاجتماعي) لمحاولة تقليل الخسائر ما أمكن ذلك في انتظار أن ينشغل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بالمشاكل الحقيقة التي أصبت تهدد، في كل لحظة، العالم بالفناء، واقتلاع جذور هذه الحضارة التي أرهقت البشرية إلى حد بعيد.
