إلى السيد #رئيس_الحكومة المحترم
إلى السيد #رئيس_الحكومة المحترم
إصلاح #التعليم_العالي لمحاربة #الهدر_الجامعي
تعليقا على عرض الإصلاح الجامعي الذي قدمه السيد رئيس الحكومة المحترم تحت قبة #البرلمان
كــ #أستاذ_جامعي، ذو خبرة تناهز الأربعين سنة (خاصة بــ #المدرسة_العليا_للأساتذة بالرباط، التي نعتها، من قبل بـــ « مؤسسة أوديت » (établissement audit)) وكمؤلف للعديد من الكتب التي عالجت من خلالها اختلالات ومعاطب المنظومة التعليمية للبلاد، تابعت باهتمام العرض المفصل للسيد رئيس الحكومة، بحيث يتبين أنه لدى رئاسة الحكومة هاجس فعلي لإصلاح ما يمكن إصلاحه على المستوى الجامعي، خاصة ما يتعلق بالهدر الجامعي. هناك فعلا تشخيص موضوعي للاختلالات والمعاطب التي تعاني منها #الجامعة، وكذا مقاربة موضوعية لمواجهة الأوضاع المتردية قدر المستطاع، علما أن الأمر يتعلق بتراكمات سلسلة من سلبيات الإصلاحات السابقة، التي بدأت منذ زمان، خاصة منذ بداية الألفية الثالثة. إذن، مشروع الإصلاح المقدم تمليه ضرورة الأوضاع الجامعية المتردية إلى حد بعيد، فلا يمكن إلا التنويه بهذه المبادرة.
وبما أن مقدم مشروع الإصلاح هو السيد رئيس الحكومة المحترم، وليس #وزير_التعليم_العالي أو #التربية_الوطنية، فمن السهل التطرق لما تعرفه أوضاع #المنظومة_التعليمية برمتها، من تردي خطير، خاصة على مستوى التعليم ما قبل الجامعي، الذي يشكل القاعدة التي يعلوها التعليم العالي والجامعي. فجل ما يعانيه التعليم الجامعي من مشاكل لا حصر لها توجد جل جذورها في التعليم ما قبل الجامعي، وخاصة #التعليم_الابتدائي، الذي يمثل حجر الزاوية في قاعدة صرح المنظومة التربوية والتعليمية. فكما تعلمون السيد رئيس الحكومة المحترم، ما ميز قدامى خريجي المنظومة التعليمية هو تمكنهم من اللغات إلى حد الإتقان، وهو الأمر الذي تم التمكين له خلال طور التعليم الابتدائي، خصوصا. فقد كنا نشكل القطعة إعرابا خلال السنة الخامسة ابتدائي (قسم الشهادة)، وكذا الفرنسية، بالموازاة مع تعلم الحساب والحساب الذهني الذي ينشط التفكير والذكاء. هكذا امتلكنا آلة الفهم والتواصل (اللغة) وأبجديات منهجية التفكير السليم والمنطق، لنلج طور #التعليم_الإعدادي (الذي يعد فيه التلميذ للطور اللاحق، اعتمادا على رصيده اللغوي والحساب ومنطق التفكير…) لنبدأ في تعلم المعارف على بساطتها، لكن بمنطق الفهم والاستيعاب، زيادة على استكمال التعلم اللغوي الذي تم جله خلال التعليم الابتدائي. ينتهي هذا الطور بتمايز صنفين من التلاميذ، صنف يطغى عليهم التفكير الأدبي وصنف يطغى عليهم التفكير العلمي. يتم ولوج طور #التعليم_الثانوي (ما يسمى بالتأهيلي، حاليا)، حيث يتم وضع الأسس المؤهلة لما هو علمي بالنسبة لأصحاب التفكير العلمي، والأسس المؤهلة لما هو أدبي لأصحاب التفكير الأدبي. وفي الأخير يتم التأشير على كل ما سبق بالحصول على شهادة #البكالوريا، لمن يستحقونها. فمن يحصل على البكالوريا باستحقاق يلج #التعليم_الجامعي مسلحا بكل وسائل التعلم والاستيعاب وبمنطق التفكير السليم، سواء #الأدبي أو #العلمي؛ يحسن اللغات كتابة ونطقا… يحسن التفكير والتدبر… يحسن الاستيعاب والفهم والتحليل والاستنتاج… قادر على التعامل مع العمق المعرفي والعلمي. إلا أن كل هذا أصبح اليوم مفقودا ومفتقدا عند الطالب، علما أنه يلج التعليم الجامعي حاملا لشهادة البكالوريا بميزات مميزة، بمعدلات نقط لم نكن حتى لنحلم بها في زماننا. مفتقدون للغة كتابة (من الصعب قراءة ما يكتبون) ونطقا، مفتقدون لأبسط مقومات التفكير السليم والمنطق. طبعا ليسوا هم المسؤولون عن كل هذا، بل هم ضحايا سلسلة من الإصلاحات المعطبة التي عرفتها المنظومة التعليمية، ولا من يستمع للتشخيصات العلمية لما حصل وكيفية الخروج من النفق المظلم من طرف أصحاب الاختصاص.
السيد رئيس الحكومة المحترم، الإصلاحات التي أدخلت على المنظومة التعليمية قلبت الأمور رأسا على عقب. فما يسمى بـــ #التعليم_الأولي لا يجب أن يحسب من بين أطوار المنظومة التعليمية… #فليندا، صاحبة المنظومة التعليمية الرائدة، لا يدخل الأطفال المدرسة إلا بعد بلوغ السن السادسة من العمر، ولا يبدؤون التعلم رسميا إلا بعد أن يبلغوا السن السابعة، حيث يكون الدماغ قد استكمل نموه الأساسي. لقد أصبح طور التعليم الابتدائي يعرف تضخما معرفيا، كميا ونوعيا، مهولا، بحيث تحول إلى طور تعلم المعارف والعلوم بشتى أنواعها في غياب تعلم وامتلاك آلة التواصل والفهم (اللغة)، فكيف يستقيم هذا الأمر؟ الأطفال يئنون من فرط #المهارات_الصعبة (hard_skills# ) التي تجعلهم يكرهون التعليم والتعليم، والغريب في الأمر أنه أصبح مطلوبا من الإصلاح الجامعي تعليم الطلبة #المهارات_الناعمة (soft skills) التي كان عليهم تعلمها في وقتها، وكذا اللغات.
السيد رئيس الحكومة المحترم، تبني إصلاحات جامعية تهتم بتعلم اللغات للطلبة شهادة مدوية على أن الخلل أكبر مما يتصور؛ فكيف بلغ هؤلاء الطلبة طور التعليم الجامعي من دون لغة، أي من دون فهم واستيعاب لما كان يدرس لهم؟ نعم لإصلاح جامعي يتعاطى مع هذا الأمر الخطير، لكن يجب أن يكون مرحليا فقط، في انتظار إدخال إصلاح جذري على أطوار التعليم السابقة، خاصة التعليم الابتدائي، وبأقصى سرعة، يعيد لتعليم اللغة، كما يجب، مركزيتها ومكانتها. يجب العمل على وصول أجيال من التلاميذ إلى التعليم العالي، مسلحين باللغة ومنهج التفكير السليم، لكي يتسنى، آنذاك، برمجة إصلاح جامعي فعال وطموح، يعيد للتعليم الأكاديمي والتقني مكانته وجدواه، بدلا من الترقيعات الحالية.
السيد رئيس الحكومة المحترم، لقد أصبح #التعليم_الثانوي_التأهيلي، على الخصوص، بمثابة ند للتعليم الجامعي، بحيث أصبح كل ما يدرس بالجامعة يدرس في التعليم الثانوي التأهيلي، خصوصا. وكما هو معلوم، فمع تبني النظام التقشفي LMD ، أصبح حاملو الليسانس، الذين يدرسون بالتعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي، يفتقدون للمؤهلات المطلوبة للتدريس، لأنهم يدرسون ما كان يدرس لهم من طرف متخصص في كل مادة. أستاذ في التعليم الثانوي يدرس، مثلا، علوم الأرض والحياة (SVT) بكل تعقيداتها، علما أن ما يُدرّسه هو ما كان يُدرّس له في الجامعة من طرف متخصصين. #تضخم_معرفي، كمي ونوعي، مهول لا يترك أي مجال للأستاذ لالتقاط الأنفاس، بحيث يعاني #الأساتذة و #التلاميذ على السواء. ففي أحسن الأحوال، ستعمل نسبة قليلة من التلاميذ على الحفظ بلا فهم، وإلا فقد تعلموا، منذ طور التعليم الابتدائي (خاصة عند اجتياز امتحان الشهادة الابتدائية) أن النقيل الممنهج والغش حق مكتسب، به يواصلون مشوار حتى التعليم الجامعي.
السيد رئيس الحكومة المحترم، فيما يتعلق بسلك #الدكتوراه، فالأمر أدهى وأمر. من خلال سلسلة الإصلاحات المعطبة التي أدخلت على هذا السلك، فقد تم التقزيم والتمييع المستمر للمؤهلات التي تجعل من حامل الماستر قادرا على مباشرة البحث العلمي من دون تنميقات وتكميلات. فكما هو في علمكم، فقد كان حامل الليسانس (4 سنوات) يتقدم لاجتياز امتحان متابعة #الدراسات_المعمقة (الدراسات المعمقة حقيقة) لمدة سنة، وإذا ما حصل على ديبلوم هذه الدراسات الصعبة فسيصبح مؤهلا لينطلق في #البحث_العلمي مع الأستاذ المشرف على البحث العلمي الذي يختاره. لم يكن من السهل الحصول على #ديبلوم_الدراسات_المعمقة (DEA)، لكن الحاصل عليه يصبح حرا من كل التكوينات الجانبية التي أصبحت تؤرق الحاصلين على #الماستر، المسجلين في سلك الدكتوراه. فالبحث العلمي يتطلب التفرغ التام، بدلا من استنزاف قوى الباحث الشاب وتشتيت أفكاره في أمور ثانوية تكميلية مرهقة، كان من المفروض أن يُحسم أمرها خلال السنتين التي يقضيها في سلك الماستر ذو السنتين. إلا أنه مع الإصلاح الجديد لنظام الدكتوراه، يبدو أنه سيزداد التمييع والتعويم وتشتيت الأفكار وتضييع الوقت في تكوينات جانبية من المفترض أنه يمتلكها، ما دام أنه مؤهل للقيام بالبحث العلمي. وإلا فهو غير مؤهل، ولا يمكن له القيام بالبحث العلمي، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية في هدر أبحاث المسجلين في سلك الدكتوراه. كنا مسجلين في دكتوراه الدولة وبملكيتنا بطاقة « الباحث الطالب »، مكونة من عدة خانات، كل خانة مخصصة لكتابة السنة الجامعية وطابع الإدارة الذي يثبت إعادة التسجيل. أما الآن، فقد تحول الأمر إلى مهزلة بما في الكلمة من معنى، أيام من الزحام الشديد ليتمكن الطالب الباحث، وفي يده ملف من الوثائق (من بينها رسوم التسجيل المرتفعة جدا، بأم الجامعات، جامعة محمد الخامس) من إعادة التسجيل. أما من الآن فصاعدا، فسيكون الأمر أدهى وأمر، بحيث سيزداد ملف إعادة التسجيل ثقلا وتعقيدا (وثائق الطفيل في اللغات والمهارات الناعمة والتكوينات الجانبية المتعددة…). لن أتطرق هنا لمشاكل الدكتوراه التي لها علاقة بالتأطير ونوعية التأطير، ومواضيع التأطير…
السيد رئيس الحكومة المحترم، لم أتطرق لبعض الأمور المهمة الأخرى في البداية، بحيث تركتها إلى الأخير لأنهي بها كلامي هذا، ومن أهمها ما يتعلق بـــ #المقاربات_البيداغوجية، الوسيلة التي تحول تعلمها إلى هدف في حد ذاته، بحيث تم إرهاق كاهل المدرسين بهذه التكوينات المستمرة التي شغلتهم عما هم فيه من تحديات في مواجهة مقررات جد دسمة، كميا ونوعيا. من التنظيرات والتكوينات بخصوص #بيداغوجيا_الكفايات، إلى #الإدماج، إلى #البيداغوجية_بالخطأ إلى الفارقية… علما، السيد رئيس الحكومة المحترم، أن إتقان مهارات #الماركتين لن يسعف في تسويق بضاعة رديئة الجودة أو فاسدة. فكيف للمقاربات البيداغوجية أن تسعف الأستاذ في تدريس ما يتجاوز مستواه المعرفي في الكثير من الأحيان؟ لقد تم تخصيص #التكوين_المستمر « الأكاديمي »، الذي هو حق من #حقوق_الأستاذ، إلى تكوينات مضنية موجهة كلها لامتلاك عصا سحرية تمكن المدرس من تدريس ما لم يدرس، وإنها بحق لمهزلة بكل المقاييس.
الأمر المهم الثاني، يتعلق بتكوين #المعلمين للتدريس بطور التعليم الابتدائي، الذي يمثل القاعدة الصلبة التي ترتفع منها « السواري » المتينة الحاملة لأطوار التعليم العليا. فالمعلمون يمثلون الرافعة التي تمكن من بناء صرح #المنظومة_التعليمة على أسس صلبة سليمة. فمتى اختل تكوينهم اختلت المنظومة التعليمة برزمتها وتصدعت جدران وسواري الصرح التربوي. فكما تعلمون، السيد رئيس الحكومة المحترم، أن تكوين معلمين أكفاء كان يتم بـــ #المدارس_الجهوية لتكوين المعلمين الشهيرة، والتي تم التخلي عنها من دون أدنى تقييم، ليتم تعويضها بلا شيء. لن أطيل كثيرا بهذا الخصوص، فالسنون التي تلت التخلي عن هذه المؤسسات الرائدة، أظهرت بجلاء أن ما حدث شكل زلزالا مصدعا لصرح المنظومة التعليمية للبلاد. ولن أطيل، كذلك، لأقول، ليس بالتعليم العالي يُكون المعلمون الأكفاء، كما هو عليه الحال منذ السنة الماضية. فتكوين المعلم مهنة، لا يتقنها إلا أصحاب الاختصاص بهذا الخصوص، فلا يتعلق الأمر بالتبحر في اللغات وتعلم العلوم لتكوين معلمين أكفاء، بل تعليم المعلمين اللغة وكيفية تعليمها، كتابة (وهو ما تم افتقاده نهائيا) وتكلما (نطقا) مع القواعد الأساسية التي تمكن من بناء الصرح اللغوي مع التقدم في الأطوار التعليمية، وهو ما يمثل الوسيلة الوحيدة للتعمق في البناء المعرفي للتلاميذ، ثم الطلبة. فمن دون لغة متقونة لن تكون هناك معارف جيدة، متقونة… ولن تكون هناك جامعة رائدة.
ثم، فإن كل ما هو #إلكتروني وما يدخل في #الذكاء_الاصطناعي ما هي إلا وسائل لتسهيل مهمة التعلم والبحث، فلا يمكن أن يصبح تعلمها هدفا في حد ذاته، وهذا ما ناديت به قبل 15 سنة، خاصة خلال طوري التعليم الابتدائي والإعدادي، لأنهما طوري نقش وبناء مراكز الكتابة والتفكير في الدماغ. وكما هو في علمكم، فقد تخلت #السويد مؤخرا عما هو إلكتروني ورجعت إلى #التعليم_الكلاسيكي، الذي سيبقى هو الأصل الذي يبنى عليه، كيفما كان التقدم التكنولوجي الذي هو ثمرة التعليم الكلاسيكي خلال الطورين الأولين، أي التعليم الأساسي.
السيد رئيس الحكومة المحترم، يتعلق الأمر بإصلاح جامعي اضطراري، لكن يجب أن يبقى مؤقتا إلى أن تتم إعادة النظر في أحوال أطوار التعليم السابقة. فالتعليم الجامعي يحتل الطابق الثالث في صرح المنظومة التعليمية، فلن تختفي التصدعات الغائرة التي يتعرض لها بنيانه إلا من خلال تثبيت بناء الأطوار السابقة، خاصة الطور الأرضي، المتمثل في التعليم الابتدائي. أتوجه إليكم بصفتكم رئيسا للحكومة، طبيعة مهمتكم تجعلكم تنظرون إلى الأمور في شموليتها، وليس كنظرة وزراء (وزرين) التعليم المجزأة.
الرباط في 31/7/2023
د. عبد الله لخلوفي

